
الزوراء/ جمال الشرقي
ضمن سعيها لتوثيق الحراك الثقافي والفني في العراق، قامت جريدة (الزوراء) بزيارة ميدانية إلى بيت العود العربي في بغداد، أحد أبرز المشاريع الموسيقية التي أعادت الاعتبار للآلة الشرقية الأصيلة، وساهمت في احتضان المواهب الشابة وصقلها أكاديمياً، في تجربة تجمع بين التراث والحداثة، وبين التعليم والإبداع.
ويُعدّ بيت العود العربي مشروعاً ثقافياً أسسه الموسيقار العراقي نصير شمة عام 1999 في القاهرة، بهدف حماية التراث الموسيقي العربي وتطوير مهارات العزف على آلة العود والآلات الشرقية الأخرى. ومع مرور السنوات، توسع المشروع ليشمل عدداً من العواصم العربية، وصولاً إلى بغداد التي شهدت افتتاح فرعها عام 2018 بعد جهود حثيثة لإعادة إحياء هذا الصرح في العراق.
وخلال زيارة الزوراء، بدا بيت العود في بغداد فضاءً فنياً نابضاً بالحياة، حيث تتوزع القاعات بين دروس العزف الفردية والجماعية، وتعلو أنغام العود والقانون والناي في أجواء تعليمية منظمة. ويعمل البيت على تقديم برامج أكاديمية متخصصة تهدف إلى نقل الطالب من مرحلة الهواية إلى الاحتراف، عبر مناهج مدروسة وإشراف مباشر من أساتذة مختصين.كما يحتضن البيت ورشاً فنية وحفلات موسيقية دورية، إلى جانب مبادرات إنسانية، منها دورات مجانية لتعليم الأطفال والأيتام، في تأكيد واضح لدوره الثقافي والاجتماعي في آن واحد.
وبحسب ما أفاد به القائمون على البيت، فإن آلية القبول تعتمد بالدرجة الأولى على رغبة الطالب الجادة في تعلم الموسيقى، ومدى التزامه بالوقت والتدريب. إذ يُمنح الطالب فترة تجريبية أولية يتم خلالها تقييم مدى جديته واستعداده للاستمرار، فيما يتولى الكادر التدريسي متابعة تطوره بشكل مستمر.
ويعتمد البيت على أساتذة هم في الأصل من خريجي بيوت العود المنتشرة في العالم العربي، ما يضمن وحدة المنهج وتراكم الخبرة داخل المؤسسة.
وفي اتصال هاتفي أجرته الزوراء مع الموسيقار نصير شمة، أكد أن بيوت العود نجحت خلال أكثر من 25 عاماً في ترك أثر واضح على الساحة الموسيقية العربية والدولية، مشيراً إلى أن خريجي هذه البيوت باتوا اليوم منتشرين في مختلف أنحاء العالم.
وأضاف أن البرنامج التعليمي يعتمد على خبرة تراكمية طويلة، وأنه يحرص شخصياً على متابعة سير العملية التعليمية من خلال زيارات دورية لكل فرع، وتقييم الأداء الأكاديمي بشكل مستمر، لضمان الحفاظ على مستوى مهني رفيع.
وتطرق شمة خلال حديثه إلى البعد التاريخي والإنساني لآلة العود، مشيراً إلى أن استخدامها لا يقتصر على الفن، بل يمتد إلى التأثير في الحالة النفسية للإنسان. ولفت إلى أن فلاسفة مثل الكندي والفارابي استخدموا الموسيقى في التأثير على المزاج والصحة، فيما تشير بعض الروايات إلى حضور الموسيقى في الممارسات العلاجية القديمة.
كما أشار إلى تجارب حديثة في مجال العلاج بالموسيقى، حيث تم استخدام مقطوعات خاصة على العود في حالات نفسية معينة، بالتعاون مع مختصين، وحققت نتائج إيجابية، ما يعزز فكرة ارتباط الموسيقى بترميم الروح وتهذيبها.
وعلى الرغم من محدودية المعلومات الموثقة حول الإدارات المتعاقبة على بيت العود في بغداد، إلا أن اسمه ظل مرتبطاً بالمؤسس نصير شمة، إلى جانب مجموعة من الأكاديميين والعازفين الذين أسهموا في تطوير العمل التعليمي والفني داخله.
اليوم، يُعدّ بيت العود العربي في بغداد واحداً من أهم المؤسسات الموسيقية المتخصصة في العراق، ومركزاً فاعلاً في الحفاظ على المدرسة العراقية في العزف على العود، ونقل خبراتها إلى الأجيال الجديدة، في إطار مشروع ثقافي يسعى إلى ترسيخ الهوية الموسيقية بوصفها جزءاً أصيلاً من الحضارة العراقية.
بيت العود ليس مجرد معهد موسيقي، بل هو مشروع حضاري يعيد ربط الإنسان العراقي بجذوره الفنية، ويمنح الشباب فرصة التعبير عن أنفسهم بلغة الجمال. ومن خلال ما لمسناه ميدانياً، يتضح أن هذا البيت ما زال يؤدي رسالته بثبات، محافظاً على إرث الموسيقى العراقية، ومنفتحاً في الوقت نفسه على آفاق المستقبل.