رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
لماذا لا نكون شجعاناً ونتحدث بصراحة ؟


المشاهدات 1041
تاريخ الإضافة 2026/05/24 - 9:42 PM
آخر تحديث 2026/05/24 - 11:12 PM

هذه خلاصة لكتاب شجاعة الحقيقة: حكم الذات وحكم الآخرين، من تأليف : الفيلسوف  الفرنسي ميشيل فوكو، وتحرير : الفيلسوف الفرنسي فريدريك غرو، يتمحور الكتاب حول مفهوم الصراحة»باريسيا «(Parrhesia) الذي ورثه فوكو عن التراث اليوناني، ويعني قول الحقيقة بشجاعة أمام المخاطر، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم وجودية. يرى فوكو أن الصراحة ليست مجرد خطاب عقلاني أو فعل لغوي، بل هي موقف أخلاقي يضع الذات على المحك، إذ يتطلب استعدادًا لتحمّل المخاطر وحتى الموت في سبيل الحقيقة.
ينتقل فوكو من تحليل هذا المفهوم في سياق الديمقراطية الأثينية والفلسفة السقراطية إلى إبراز دوره في علاقة الذات بذاتها وعلاقتها بالآخرين، وصولًا إلى البنية العميقة للحداثة، حيث يصبح قول الحقيقة شرطًا للتحرر من الهيمنة والسلطة.
والصراحة بوصفها ممارسة سياسية وأخلاقية
يوضح فوكو أن الديمقراطية الأثينية جعلت من الصراحة واجبًا للمواطن، غير أن هذا الواجب كان محفوفًا بالخطر، لأن قول الحقيقة قد يثير سخط الجماهير أو السلطة. وهنا يظهر التوتر بين الحرية والمساءلة.
حكم الذات والاهتمام بالذات
يتناول فوكو تقاليد سقراط والفلسفة الرواقية التي شددت على «معرفة الذات» والاعتناء بها كشرط أولي لممارسة الصراحة. فلا يمكن للمرء أن يقول الحقيقة للآخرين ما لم يختبرها داخليًا ويعيد بناء علاقته بنفسه.
يربط بين قول الحقيقة والسلطة السياسية، خاصة في تصور أفلاطون للـ»ملك الفيلسوف»، حيث تكون الصراحة معيارًا لأهلية الحاكم. يشير فوكو إلى أن السلطة الأخلاقية لا تنبع من موقع سياسي بل من القدرة على مواجهة الذات والآخرين بالحقيقة.
التحولات التاريخية للصراحة
يتتبع فوكو انتقال مفهوم الصراحة من السياسة (بريكليس) إلى الفلسفة (سقراط) ثم إلى الأخلاق الفردية والرعوية المسيحية، حيث يتحول قول الحقيقة إلى اعتراف داخلي مرتبط بالخلاص الروحي.
دور المثقف والنقد الحديث
يقدّم فوكو نقدًا لدور المثقف المعاصر: ليس دوره إملاء الحلول أو احتكار المعرفة، بل ممارسة الصراحة كمثال حيّ على التفكير النقدي والجرأة في مواجهة السلطة. المثقف عند فوكو هو شاهد على الحقيقة، لا وصيّ على الآخرين. 
الكتاب يتجاوز مجرد دراسة تاريخية للفلسفة القديمة؛ إنه وصيّة فكرية لفوكو في لحظة مواجهة مع مرضه واقترابه من الموت (1984). يظهر في الدروس كيف تصبح الصراحة ممارسة وجودية تعني العيش الحرّ في مواجهة السلطة والموت. سياسيًا، يحمل الكتاب نقدًا للأنظمة الحديثة التي تُسكت الأصوات الجريئة وتُفرغ الحرية من مضمونها، داعيًا إلى إعادة التفكير في الديمقراطية من خلال فضيلة «قول الحقيقة» لا مجرد آليات الانتخابات أو المؤسسات.
أشاد الباحثون بالكتاب بوصفه ختامًا لمشروع فوكو حول «تقنيات الذات»، ورأوا فيه تحوّلًا من تحليلات السلطة والمعرفة إلى فلسفة للحياة حيث الحرية هي ممارسة يومية. وصفه بعض النقاد بأنه «خطاب فلسفي بوجه سياسي»، يجمع بين العمق التاريخي والتأمل الأخلاقي. في العالم العربي، لقيت الترجمة ترحيبًا لتمكّنها من نقل لغة فوكو الصعبة، لكن بعض القراء وجدوا كثافة الإحالات النصية والفلسفية عائقًا أمام القراءة العامة.
وميشيل فوكو (1926–1984) فيلسوف فرنسي، من أبرز مفكري القرن العشرين. اهتم بالعلاقة بين السلطة والمعرفة، وكتب أعمالًا مؤثرة مثل المراقبة والمعاقبة وتاريخ الجنسانية. في سنواته الأخيرة ركّز على موضوع تقنيات الذات و»الاهتمام بالنفس»، حيث يأتي كتاب شجاعة الحقيقة بمثابة إغلاق لدائرته الفكرية.
الخلاصة النهائيةان شجاعة الحقيقة: حكم الذات وحكم الآخرين ليس مجرد كتاب فلسفي، بل شهادة فكرية وسياسية عن معنى أن تكون حرًّا في زمن القمع والرقابة. يقدّم فوكو مفهوم الصراحة كشرط وجودي للحياة الأخلاقية والسياسية، رابطًا بين الإرث اليوناني وأسئلة الحداثة. الكتاب يضيء على العلاقة المعقدة بين الذات، الحقيقة، والسلطة، ويقدّم أدوات فكرية لممارسة النقد والحرية في عالم يزداد تعقيدًا.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير