رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
قرية حمزة الكونية!


المشاهدات 1061
تاريخ الإضافة 2026/05/24 - 9:39 PM
آخر تحديث 2026/05/24 - 11:12 PM

منذ أكثر من ثلاث سنوات، والزميل الكاتب حمزة مصطفى يلوح لنا بكتابه المرتقب «القرية القرآنية والقرية الكونية»، حتى خُيل إلينا أن هذه القرية أصبحت أكبر مشروع مؤجل في الوسط الثقافي. كلما التقيناه، أو شاهدناه متنقلاً بين الفضائيات محللاً للأزمات العراقية التي لا تنتهي، تذكرنا أن هناك قرية لا تزال تنتظر صاحبها كي يعود إليها ويضع النقطة الأخيرة في كتابه المؤجل.
حمزة، الذي اختارني مشرفاً على هذا العمل، أرسل لي بالفعل فصولاً عديدة منه، ووجدت في مشروعه جهداً فكرياً جاداً، يحاول أن يقرأ تحولات القرية التقليدية تحت ضغط العولمة والتكنولوجيا والاتصال المفتوح، من قابيل وهابيل، إلى شحرور وهراري ومعلوف والرفاعي، وكنت أقول له دائماً إن البحث العلمي مثل السفر الطويل، لا بد له من محطة وصول، لأن الأفكار نفسها تتغير بسرعة، والعالم لا ينتظر أحداً، لكنه كان يبتسم ابتسامة الواثق، ثم يختفي مجدداً في دهاليز التحليلات السياسية العاجلة. وهكذا، بينما بقيت «القرية الكونية» حبيسة الأدراج، صار حمزة نفسه جزءاً من هذه القرية المتحركة، يتنقل بخفة طائر بين قناة وأخرى، ومن استوديو إلى آخر، حتى بدا وكأنه استبدل القرية الكونية بشارع كوني مزدحم بالأحداث والتصريحات والخرائط المشتعلة. وخلال هذه السنوات القليلة، تبدلت أشياء كثيرة في العالم، وسقطت رهانات فكرية كبرى، وتعرضت نظريات مثل «صِدام الحضارات» لـ صموئيل هنتنغتون و«نهاية التاريخ» لـ فرانسيس فوكوياما، إلى اختبارات قاسية أمام الحروب والتحولات الدولية المتسارعة، فيما بقي كتاب القرية ينتظر لحظة الخروج إلى النور. وأنا أخشى أن تتقلص القرية الكونية أكثر، فتصبح مجرد زقاق إلكتروني صغير، بينما لا يزال حمزة يراجع الفصل الأول أو يضيف هامشاً جديداً أو يؤجل الطباعة إلى إشعار آخر!
وإذا كان أبو علي قد تأخر ثلاث سنوات، فإن الزميل الدكتور هاشم حسن يمتلك رقماً قياسياً يصعب منافسته، فمنذ أكثر من عشرين عاماً كان يحدثنا عن مذكراته الصحفية التي «شارفت على الاكتمال»، وهو ليس صحفياً مسالماً، بل واحد من أبناء المهنة الذين عاشوا سنوات الصحافة العراقية بكل ما فيها من صخب ومواجهات ومغامرات ومخاطر ومفاجآت، دفع بعض أثمانها، ورأى من الأحداث ما يكفي لكتابة أكثر من كتاب، فقد اقترب إلى حد التماس من كواليس سياسية وإعلامية ملتهبة، وخاض تجارب مهنية محفوفة بالتحديات، وعرف كيف يسير وسط العواصف من دون أن يفقد روحه الساخرة، لذلك فإن مذكراته، لو صدرت، لن تكون مجرد سيرة شخصية، بل وثيقة عن زمن طويل من التحولات والأحداث. لكنه، في كل مرة يقترب فيها من خط النهاية، يعود ليؤجل المشروع، وكأنه يخشى أن يفقد متعة الحكاية بمجرد تدوينها.
ربما تكمن طرافة الأمر في أن هاشم وحمزة يشتركان في شيء واحد، أن كلاهما يمتلك مادة ثرية تستحق النشر، وكلاهما يؤمن بأن الوقت ما زال مبكراً لإغلاق الملف. أما نحن، فما زلنا ننتظر، بين قرية لم تكتمل، ومذكرات لم تصل بعد إلى المطبعة!.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير