جريدة الزوراء العراقية

الملك فيصل الأول يمتثل أمام القضاء


قبلَ الولوج في قصةِ مقالي لابد أن أذكر شيئاً من تاريخ أول ملك حكمَ العراق.
توِّجَ فيصل الأول ملكاً على العراق، في حفلٍ بسيطٍ بمبنى القُشلة في بغداد بتاريخ 23 آب عام 1921، إيذاناً ببدءِ العهد الملكي وتأسيس الدولة العراقية الحديثة، بالحصول على استقلال العراق، وانضمامه لعُصبة الأمم بوصفه دولةً مستقلة، ليضيف دعامة قويةً لما بدأ به لحظة التأسيس. 
العراق، ومنذ زمن بعيد، كان ذا أهمية ومحط أنظار جميع الدول الأوروبية، لما يمتلكه من ثروات، وخاصة بريطانيا التي قامت باحتلاله عام 1917، وبدأت تأمين حاجتها ومتطلبات الاحتلال من أموال العراقيين، وكانت تهدف لاحتلالٍ دائمٍ من خلال ربط العراق بالإدارة الهندية.
لم يقف الشعب العراقي، المعارض للاحتلال البريطاني والإدارة الاستعمارية، مكتوفَ الايدي، بل عمدَ إلى المقاومة بشتى الوسائل والطرق، وبعد ثورة العشرين عام 1920 بدأت بريطانيا تفكرُ في قيام الحكم الملكي وتأسيس الدولة العراقية الحديثة.
لم يكن أمام بريطانيا، أيضا، إلا الملكية للعراق، وكانت الخيار الوحيد آنذاك أمامها، لأن بريطانيا كانت ترتئي تأسيس نظام حكم ملكي، فوقعَ الاختيار على فيصل بن الحسين ليكون ملكاً على العراق في مرحلةٍ صعبةٍ وحساسةٍ، وكان عليه أن يوازن بين رغباتِ الاحتلال البريطاني وبين رغبات العراقيين.
واستمرت فترةُ حكمه نحو 12 عاماً للفترة 1921-1933، وتعاملَ الشعب العراقي مع الملك فيصل الأول بالودِ والترحاب، لأنه سليلُ العائلة الهاشمية، وكان العراقيون يعلقون عليه آمالاً كبيرة للتخلص من الانتداب البريطاني، لذلك رحبوا به وجرت احتفالات واسعة في تتويجه ملكاً وحظي بمساندةٍ شعبيةٍ كبيرة.
أقول.. بعد هذه المقدمة: لم يستغل الملك فيصل منصبه من أجل رغباته، ولم يأكل حق المواطن العراقي، وكان يحترم استقلالية القضاء.
نعم.. امتثل الملك فيصل الاول أمام القضاء، وحضرَ بنفسه، عندما أقام المواطن “كاظم جلعوط”، صاحب معمل طابوق “جلعوط”، دعوى قضائية على الملك فيصل الاول، خلاصتها إنه جهّز الملك بكمية من الطابوق ومواد البناء بما يساوي (100) دينار، ولم يسددها الملك.
تم استدعاءُ الملك فيصل الاول عن طريق مبلغ المحكمة الى الحضور أمام القاضي، في الوقت والمكان المحددين، وحضر الملك فيصل الاول، ونودي عليه باسمه الصريح، فأجاب بكلمة “حاضر”، أيّد الملك ادعاء المشتكي، لكنه طلب من الحاكم أن يقسط المبلغ عليه “عشرة دنانير” كل شهر.
القاضي أخذ موافقة المواطن “كاظم جلعوط”، وأمر أن يدفع القسط الأول بداية كل شهر في المحكمة نفسها.
نعم.. هكذا تُدار الدولة ومؤسساتها، ويأخذ كل ذي حق حقه.. “الكل سواسية أمام القانون”، ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أية تفرقة.
أقول.. انتهجَ الملك فيصل منهاج الإصلاح الداخلي، فوضعَ دستوراً للبلاد، وأنشأ مجلساً للأمة، وأقام علاقات بين العراق وبريطانيا على أسس معاهدات 1922، 1926 ـ 1927، 1930، وطبّق التجنيد الإجباري عام 1926، وأقام العديد من المشروعات في الريّ، الصناعة، المواصلات، الصحة، التعليم، الكهرباء، وغيرها، وعملَ جاهداً على إصلاح ذات البين بين العراق وجيرانه.
توفي الملك فيصل الأول في 8 سبتمبر 1933 جرّاء أزمة قلبية ألمت به عندما كان موجوداً في برن بسويسرا، وقيل إن للممرضة التي كانت تشرف على علاجه يداً بموته، حيث شيع بأنها قد سمّته بدس السم في الإبرة التي أوصى الطبيب بعلاجه بها.
 


المشاهدات 1450
تاريخ الإضافة 2024/02/12 - 11:21 PM
آخر تحديث 2024/04/15 - 7:40 PM

طباعة
www.AlzawraaPaper.com