جريدة الزوراء العراقية

من كييف إلى غزة .. الأحكام حسب المقاس


قبل حوالي سنتين من اليوم صدر عن المحكمة الجنائية الدولية حكم قضائي واضح و حاسم ، بأن جاء فيه “ يجب على روسيا الاتحادية أن تعلق فورا العمليات العسكرية التي بدأتها في 24 من فبراير / شباط 2022 على أراضي أوكرانيا “ و أكد الحكم بأن “ المحكمة تشعر بقلق عميق إزاء استخدام القوة الروسية الذي يثير مشاكل خطيرة جدا بالقانون الدولي “ علما أن عدد القتلى من المدنيين في الحرب الروسية الأوكرانية التي لاحقتها المحكمة الجنائية الدولية بإصدار الأحكام و المبررات ، لم يكن في وقت صدور الحكم يتجاوز  عشرات المئات ، لأنه و بعد مرور أكثر من سنة و نصف كان عدد القتلى من المدنيين و العسكريين قد وصل إلى  9000 آلاف من بينهم خمسمائة طفل .و هي خسائر بشرية لا يمكن التقليل من خطورتها و لا تجنب إدانتها .
قبل أيام عادت نفس المحكمة للنظر فيما اعتبرته الجهة المدعية جرائم إبادة ، و هذه المرة و في مدة تقل من مائة يوم كانت جرائم الإبادة التي يقترفها المدعى عليه تجاوزت خمسة و عشرين ألف مدني ، من ضمنهم أكثر من 8000 طفل و 7000  من النساء ، و تسببت في دمار كامل للحياة و فرض حصار شامل بما في ذلك الدواء . لكن هذه المرة اختارت المحكمة الجنائية الدولية لغة مخالفة لينة ، بأن قالت في حكمها “ يجب على إسرائيل أن تتخذ التدابير في حدود سلطتها لمنع و معاقبة التحريض العلني على ارتكاب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين “ و لم تنس المحكمة دعوة “ إسرائيل بأن ترفع تقريرا إلى المحكمة بخصوص التدابير المؤقتة المفروضة خلال شهر “ 
هكذا إذن في حالة لم يتجاوز عدد الضحايا من القتلى بضعة مئات لحظة صدور القرار تستعمل المحكمة الجنائية الدولية لغة الأمر “ يجب على روسيا الاتحادية أن تعلق فورا العمليات العسكرية “ بيد أنه في حالة ثانية تجاوز فيها عدد القتلى 25 ألف و إصابة أكثر من خمسين ألف آخرين ، و قتل أكثر من مائة صحافي ، لحظة صدور القرار ترى نفس المحكمة بأن تدعو إسرائيل في حدود سلطتها إلى أن تتخذ التدابير ، ليس للوقف الفوري للعمليات العسكرية كما في الحالة الأولى ، و لكن “ لمنع و معاقبة التحريض العلني على ارتكاب الإبادة “ و تعطي المحكمة لإسرائيل مدة شهر كامل لاقتراف ما تراه مناسبا من مجازر ، و بعدها يمكن لها أن توافي المحكمة بتقرير بخصوص التدابير المؤقتة المفروضة . 
و طبعا ، في اليوم الموالي لصدور الحكم القضائي من طرف المحكمة الجنائية الدولية وافتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي بالجواب الصريح و الواضح ، بأن واصلت اقتراف جرائم الإبادة بهمجية أعنف و أخطر ، بما يفيد أن حكومة الاحتلال الاسرائيلي تعاملت بتحقير  فظيع مع  هذه المحكمة التي اجتهدت في مجاملة حكومة الاحتلال الإسرائيلي ، و ها هي تعاين هذا التحقير و لكن عينها بصيرة و يدها قصيرة .
حكم أهم و أكبر و أقوى محكمة قضائية دولية معهود إليها حماية حياة الناس ، بغض النظر عن ألوانهم و أعراقهم و دياناتهم ، تتعامل بانتقائية مع هولاء الناس ، فبعضهم من ذوي بشرة معينة ، و بالنظر إلى قربهم الجغرافي تأمر   بالوقف الفوري  العمليات العسكرية ، و بعضهم الآخر من ذوي بشرة مختلفة و يوجدون هناك بعيدا لا يتطلب الأمر أكثر من الدعوة إلى اتخاذ تدابير لمنع التحريض .
اختلاف الأحكام و تباينها من مستوى إلى آخر في تعاطي هذه المحكمة مع قضايا تهم البشرية فوق الأرض ، يكشف توغل الحسابات السياسية و الجيو استراتيجية و الاقتصادية في عمق المعالجات القضائية للمحكمة الجنائية الدولية ، بحيث يكون الحكم حسب المعطيات المحيطة به ، و ليس من حيث موضوعه و الشكليات المرتبطة به . و يكون القياس في صياغة منطوق الحكم يقتصر على العامل السياسي ، الجيواستراتيجي ، و علاقة الأطراف بالقوى العظمى المتحكمة في حركة سير  النظام العالمي السائد .
أما عما يمكن اعتبره تفهما من قضاة هذه المحكمة بإصدار حكم لم ينتصر صراحة للجاني ، فإن في ذلك محاولة للتخلص من الورطة التي وضعتهم فيها الشكاية المرفوعة أمام المحكمة ،وإلا كانوا سيكونون مشاركين فعليا في جرائم الإبادة .
 


المشاهدات 1197
تاريخ الإضافة 2024/02/03 - 10:15 PM
آخر تحديث 2024/04/15 - 7:42 PM

طباعة
www.AlzawraaPaper.com