رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
استفتاء تونس.. قراءة مختلفة للأرقام


المشاهدات 1036
تاريخ الإضافة 2022/07/31 - 7:21 PM
آخر تحديث 2022/08/08 - 6:51 AM

 
النحيب الديمقراطي الذي تنحبه الأحزاب التي رفضت المشاركة في الاستفتاء على الدستور التونسي الجديد، ممتع. إلا أنه لا يصمد أمام أبسط الحقائق. ومن الخير لهذه الأحزاب نفسها ألا تتمادى فيه. على الأقل، لأن السطور التالية سوف تقدم لهم دليلَ فجيعتهم فيها صارخا.
هذه الأحزاب تستهين بنسبة المشاركة في الاستفتاء قائلة إنها أقل من أن يُعتد بها كدليل على تأييد الشعب التونسي للدستور الجديد.
لا بأس. هذا كلام يمكن أن يقال، إلا أنه غير صحيح من وجهة نظر القراءة الصحيحة للأرقام.
أعلى نسبة مشاركة في الانتخابات في تونس هي التي تم تسجيلها في العام 2011، أي في عز لحظة الاندفاع نحو التغيير، ومن قبل أن تتم تجربة أيّ حزب في السلطة. حتى ليمكن القول إن كل شيء في تلك الانتخابات كان بكرا. وهي لحظة كان يمكن فيها تصديق كل الوعود، والثقة بطهرانية كل الأحزاب، قبل أن تنكشف الحقيقة بعد سنوات.
في تلك اللحظة من تاريخ تونس، أدلى 4.053.905 ناخب بأصواتهم من مجموع 8.289.900 مواطن يحق لهم الانتخاب. أي ما يعادل 48.9 في المئة، على وجه التمام والكمال.
الاستفتاء على الدستور الجديد، كان استفتاء بـ”نعم” أو “لا”. ولهذا معناه، من ناحية قراءة النسب. ولكن قبل بلوغ المعنى، فإن الأرقام تقول إن عدد الذين شاركوا بالتصويت على الدستور بلغ 2.756.607 ناخب من مجموع 9.300.000 مؤهل للتصويت، أو ما يعادل 30.5 في المئة.
هذه النسبة تبدو أقل بكثير من النسبة الأعلى التي تم تسجيلها في العام 2011، البالغة 48.9 في المئة.
الأهمية الخاصة للـ”نعم” أو الـ”لا” تتضح هنا. فقلد قال 2.607.848 ناخب “نعم” للدستور. ولو أن كل الذين حملوا الحماسة والأوهام والشعارات المخادعة في انتخابات العام 2011 شاركوا في الاستفتاء، أي الـ4.053.905 ناخب، ولم يجد الرئيس قيس سعيد من يسانده إلا الذين قالوا “نعم”، بينما قال كل الباقي “لا”، فإن الدستور الجديد كان سيفوز بنسبة تبلغ: 64.3 في المئة. وهذه نسبة عالية تكفي لكي تُبطل كل دواعي النحيب على الديمقراطية المغدورة.
بمعنى آخر: افترض أن كل الذين لم يأتوا للتصويت من أولئك الأربعة ملايين متحمس للديمقراطية، قالوا “لا”، فإن النتيجة تظل انتصارا ساحقا للدستور الجديد. ولو أنك أضفت إليهم مليون صوت آخر لم يشارك في أيّ انتخابات، ثم قالوا “لا”، فإن النتيجة تظل فوزا آخر للدستور.
القراءة ذاتها سوف تتعزز أكثر بالنظر إلى نسب المشاركة في انتخابات العام 2014 والعام 2019. في الانتخابات الرئاسية لعام 2014 شارك 3.339.666 ناخبا. أما في الانتخابات التشريعية للعام 2019 فقد شارك 2.946.628 ناخبا. وهذا العدد أعلى بعدد محدود للغاية، لا يتجاوز 338.780 ناخب من عدد الذين شاركوا في التصويت على الدستور الجديد. الأمر الذي يمكنه، هنا أيضا، أن يُبطل النحيب الديمقراطي الذي لم ينتحبه أحد لا في العام 2014 ولا في العام 2019، ربما لأن كل أحزاب الفوضى التي هيمنت على الحياة السياسية في البلاد، حصدت نصيبا من “الكعكة”. فلم تبك. بينما لم تكن هناك “كعكة” لتقاسمها هذه المرة، فارتفع النحيب إلى عنان السماء.
وهذا أمر طبيعي. فالاستفتاء كان، بصورة من الصور، استفتاء من سؤالين: هل التونسيون مع سلطة رئيس مسؤول أمام ناخبيه، وما من شائبة فساد تشوبه؟ أم أنهم مع سلطة أحزاب معظم من فيها يده ملوثة إما بالمال الحرام أو بالدم الحرام؟
لقد كان هذا هو السؤال الضمني للاستفتاء.
ولو أنك بقيت تنظر إلى الأرقام من زاوية المقارنة بين الرئيس قيس سعيد، بوصفه كيانا سياسيا قائما بذاته، وبين النتائج التي حققها أيّ حزب، في أيّ انتخابات، فلسوف تدرك على الفور من هو الفائز بأعلى الأصوات.
لا حاجة للتذكير بأن الرئيس سعيد فاز بأصوات 72.71 في المئة من الناخبين في الانتخابات الرئاسية في العام 2019. ولكن من المفيد التذكير بأن المجموع الكلي للذين شاركوا في هذه الانتخابات بلغ 3.820.825 ناخبا. وكانت حصة الرئيس سعيد منهم هي 2.777.931 ناخبا، وهم عدد قريب تماما من مجموع الذين قالوا نعم للدستور الجديد!
الرئيس سعيد ليس له حزب، ولا يزمع أن يشكل حزبا. ولكن هؤلاء هم مؤيدوه، وقد ظهروا مرتين متتاليتين بالعدد نفسه تقريبا. ولسوف يظهرون مرة ثالثة في أيّ انتخابات رئاسية أخرى، وهو أمر مرعب فعلا لكل قادة الأحزاب الذين قد يرغبون بمنافسته. وهم بنحيبهم الديمقراطي إنما يبكون حظهم العاثر.
في العام 2011 فازت “حركة النهضة” بأصوات 1.498.905 ناخب، وكانت أكبر الفائزين واحتلت 89 مقعدا في البرلمان. وفي العام 2019، فقد فازت الحركة ذاتها بأصوات 561132 ناخبا فقط. وظلت أكبر الأحزاب واحتلت 52 مقعدا في البرلمان.
دع عنك الانحدار الشديد في نسبة التأييد لهذه الحركة بين هذين العامين، ولكنك سوى ترى أسباب الرعب عندما تقارن هذه الأرقام بأصوات التأييد للدستور. قيس سعيد، كان من السهل عليه أن يحتل ثلثي مقاعد البرلمان، لو أنه كان حزبا. ولكنه ابن شعبه. قل عنه ما شئت. دكتاتور، متسلط، يفصل الدستور على مقاسه، ويمزق الديمقراطية. ولكنه في النهاية فائز بثلثي هذه الديمقراطية في جميع الأحوال. وليس النحيب الديمقراطي المضاد إلا نحيب على سوء حظ الباكين. وهو شأن لا علاقة لقيس سعيد به. إنه شأن يتعلق بسوء مسالك منافسيه، وفسادهم وطمعهم بالنفوذ والجاه، بل وبسوء نظرتهم لواقع الأزمة في البلاد، ولأنهم لم ينظروا إلى موطئ أقدامهم فيها، ليعرفوا كم كانت يدهم طولى في تحويل بلد مستقر إلى فوضى.
يحتاج راكبو حمار السياسة في تونس أن يترجّلوا، وأن يتواضعوا، وأن ينظروا إلى الواقع بإمعان، وأن يفهموا أن الديمقراطية، إذا كانت أرقاما فقد خسروا بالأرقام، خسارة مجلجلة. وإذا كانت أعمال تنمية وبناء، فقد فشلوا فيها حتى انتخب مواطنوهم رجلا من خارج السرب تماما، نكاية بسوء مسالكهم هم بالذات حيال التحديات التي تواجه بلادهم.
يحتاج راكبو حمار السياسة في تونس أن يصفعوا وجوههم بأنفسهم، لعلهم يصحون. لا ليقرأوا الأرقام الانتخابية من جديد، ولكن ليقرأوا أرقام العجز في الميزان التجاري، والتضخم، والبطالة، ومعدلات الفقر، ليفهموا أنها هي الأرقام التي يجب أن تُقلقهم، وتجعلهم لا ينامون الليل حيالها.
الحقيقة هي أن تونس هي التي يتعين أن تبكي حظها العاثر، بسبب هذه الحزمة من أحزاب الجهل والحماقة وعجز القدرة على قراءة الأرقام.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير