رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
دوامة الرحيل والوجع العراقي


المشاهدات 1091
تاريخ الإضافة 2022/07/31 - 7:05 PM
آخر تحديث 2022/08/08 - 7:01 AM

في روايتها «دوامة الرحيل» التي فازت بجائزة «كتارا« للرواية العربية المنشورة لعام 2015 اختزلت الروائية الراحلة ناصرة السعدون تاريخ نزف الوجع العراقي بمتابعة حياة اسرة آمنة مستقرة، قدر لها أن تتعرض لأبشع أنواع الحوادث بعد الاحتلال الأميركي لبغداد، وما أعقبه من تدهور أمني وسيطرة العصابات المسلحة التي اقترفت جرائم القتل والنهب وخطف وابتزاز للمواطنين الأبرياء، وروعت الأسر الآمنة، ومنها أسرة الدكتور قيس السالم خريج كلية الهندسة في جامعة دنفر الأميركية وزوجته الطبيبة الشهيرة ردينة السعد خريجة كلية الطب في الجامعة نفسها.. التقى السالم بردينة في دنفر، ثم اقترنا ليكونا اسرة سعيدة في بلدهما العراق، قبل أن تفترسها أنياب الاحتلال وتحل بها الكوارث والفواجع، التي دفعتها اضطراراً للهجرة نحو المجهول وقد فقدت الأب قيس السالم على أيدي السفاحين في سجن أبي غريب بلا أي ذنب، مثلما فقدت ولده الطبيب بارق الذي خُطف وقتل حتى بعد أن دفعت اسرته الفدية المطلوبة، وقد أدت هاتين الفاجعتين المتلاحقتين، إلى إصابة الدكتورة ردينة بجلطة دماغية إثر قيام عصابة مسلحة بالسيطرة على عيادتها لتجبرها على التوقيع والتنازل عن ملكية العيادة إلى سكرتيرتها قبل الاحتلال التي صارت طبيبة بشهادة مزورة تجبر الدكتورة على توقيعها تحت تهديد السلاح!.. لم يتبق من هذه الاسرة، سوى أم مشلولة، وابنة اسمها إباء، طالبة في المرحلة الأخيرة من كلية الهندسة، هي محور الرواية ورمزيتها ورسالتها المستمدة من معنى اسمها بكل ما تمثله من إباء الشخصية العراقية، وحيويتها ومواهبها واعتزازها بنفسها، والأهم من ذلك كرهها لمن دمر اسرتها ووطنها.. فتاة جميلة ومثقفة، تهوى الرسم، وتدرس الهندسة المعمارية، يخيب ظنها بأول قصة حب لها مع زميلها الطالب منير الذي سرعان ما انقلب وضعه بعد الاحتلال ليتنكر لها ويتحاشى مواجهتها، وقد سعت إباء للحصول على وثيقة تخرجها من كلية الهندسة، وبيع ممتلكات الأسرة من اجل السفر أملاً في رعاية طبية أفضل لوالدتها، وبحثاً عن الهجرة إلى ارض جديدة بعد أن ضاق الوطن بأبنائه، غادرت بغداد بمساعدة ابن خالتها باسل الذي يقود السيارة عبر الطريق البري إلى الأردن، هرباً من وطن لم يعد يصلح لأن يكون وطناً. وبعد السكن والعمل في الأردن وتحسن الحالة الصحية للدكتورة ردينة السعد، تأتي فرصة الهجرة من مفوضية اللاجئين، لكن من سخرية القدر أن تكون الدولة التي وافقت على استقبال الأسرة هي الدولة نفسها التي كانت سببا في تدمير الأسرة والبيت والوطن، الولايات المتحدة الأميركية من دون دول العالم .خاضت ناصرة السعدون في تفاصيل كثيرة حول حياة إباء ووالدتها في دنفر وكيف صارعت مع نفسها مشاعر إنسانية متناقضة أثناء دراستها الهندسة المعمارية وممارسة هوايتها في الرسم، منها تجربة حب جديدة في جامعتها قبل أن تهاجر مع والدتها ثانية ليستقرا في نيوزيلاند بحثاً عن فرصة عمل وربما الهروب من التجارب الجديدة، وفي كل ما واجههما فإن ذكرى الأب قيس السالم الذي شوهت جثته مخالب الوحوش في سجن أبي غريب، وابنه بارق الذي قُتل مخطوفاً، وما تعرضت له الأسرة عقب مداهمة مسكنهم في بغداد، بقيت ماثلة في حياة الأم الدكتورة ردينة وابنتها إباء وهما يبحثان عن ارض وحياة آمنة، وقد اقتلعتا قسراً من وطنهما وبيتهما وحياتهما المستقرة الحالمة. وسردت السعدون بما يشبه السيمفونية الحزينة عذابات وهواجس ومخاوف كل مواطن فقد بيته وأمنه واستقراره وأحلامه، فكانت «دوامة الرحيل» رواية وطن مفقود، وحكاية تشرد وخوف وعذاب، وصرخة إدانة، مؤلفة من 15 مقطعاً أشبه بالحركات الموسيقية، يبدأ كل مقطع فيها بنصوص لشعراء عراقيين منهم عبد الرزاق عبد الواحد، حميد سعيد، يوسف الصائغ، نازك الملائكة، بدر شاكر السياب، سامي مهدي، لميعة عباس عمارة وغيرهم، تتخللها مقاطع من أغان لأم كلثوم، وأغنية بالإنكليزية لفرانك سيناترا، وأخرى بالفرنسية لجاك بريل.في إهدائها لنسختي من الرواية قبل رحيلها في عًمان منذ عامين عن عمر ناهز الرابعة والسبعين عاماً، كتبت « أهديك نزف الوجع العراقي» .. رحلت ناصرة السعدون، وتعددت الروايات، وما زال النزف العراقي مستمراً .
 


تابعنا على
تصميم وتطوير