جريدة الزوراء العراقية

ظهر سمكة حميد قاسم


يجبرنا «حميد قاسم» بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على إنتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية على العودة إليها لكن على «ظهر سمكة» لا دبابة أو طائرة أو ناقلة أشخاص مدرعة. و»ظهر السمكة» هي أحدث  عمل روائي للشاعر والكاتب حميد قاسم تتناول أحداث الحرب لكن من زاوية تبدو مختلفة الى حد كبير عن النمط السائد في تناول الحروب.. الحرب العراقية ـ  الإيرانية التي تعد واحدة من أطول الحروب في القرن العشرين (1980 ـ 1988) حظيت بعدد كبير جدا من الأعمال الأدبية روايةً وقصةً وشعراً ومسرحاً وسواها من الأنماط السردية. يمكن تقسيم الأعمال الأدبية وصيغ تناولها لتلك الحرب الى مرحلتين أو حقبتين.. الأولى هي مرحلة الحرب نفسها منذ بدايتها في أيلول عام 1980 الى آب عام 1988 والسمة الغالبة على هذه الفترة هي ما كان قد سمي الأدب التعبوي الذي كان يهدف من بين ما يهدف اليه هو رفع المعنويات وبالتالي لم يكن بوسع الكتاب والأدباء تناول الحرب من زواياها الإنسانية وآثارها المدمرة على الذات والمجتمع.. الثانية هي مرحلة ما بعد  الحرب والتي أخذت زوايا مختلفة تتباين فيها الرؤى ووجهات النظر وأساليب  النظر والتعامل مع موضوعة الحرب بين كتاب الداخل وكتاب الخارج ومن بينهم من كان من أدباء الداخل وكان ربما جنديا وقد كتب بضعة أعمال على الطريقة التعبوية ثم التحق بالمعارضة ليصف الجانب الآخر من  الحرب لكن بعد خروجه سالما.. حميد قاسم الشاعر والقاص والروائي لم يكن من أي من الطرفين.. فهو لم يكتب أثناء فترة الأدب التعبوي ولم يستغل فترة وجوده خارج العراق بدءا من منتصف التسعينات من القرن الماضي ليتناول الحرب من أية زاوية مع إنه كان طوال تلك الحرب جنديا خاض معظم معاركها وخرج سالما بالمصادفة مثل سواه من مئات الآلاف ممن خرجوا سالمين بمحض المصادفة.. من هنا تبدو رؤية حميد قاسم لتلك الحرب التي خاضها في عنفوان شبابه وكاد يخسر حياته في أية لحظة من لحظاتها المجنونة ينظر إليها اليوم وهو في ريعان كهولته من أكثر زواياها إنسانية، وهي إمكانية التعايش مع العدو حين يكون المصير المشترك الذي يجمعك مع عدوك فوق طاقتك وطاقته. لذلك أستطيع القول إن رواية «ظهر السمكة» ذات الـ 119 صفحة الصادرة عن دار نابو للنشر والتوزيع في بغداد ليست رواية أشخاص. حتى من يبدو بطلا لها «سليم غانم سلطان» الجندي الذي قتل في الحرب يتداخل مع من يروي أحداث الرواية بضمير المتكلم. هنا يظهر المؤلف بشخصيتين أحدهما الجندي المقتول الذي إستل المؤلف الدفتر الذي دوّن فيه يومياته طوال فترة الحرب، وشخصية الراوي العليم الذي إعترف وهو هنا المؤلف المضمر والمعلن «حميد قاسم» الذي عدّ أن إستيلاءه على دفتر مذكرات صديقه إنما هي «فكرة دنيئة» ص 14. لكن هذه الفكرة الدنيئة التي حاول المؤلف تبريرها أخلاقيا لها ما يبررها إبداعيا لكي لا يضيع جهد إنساني هو يوميات ذلك الجندي في تلك  الحرب. وحين أقول إنها ليست رواية شخوص فلأن الفكرة المركزية التي تنهض عليها الرواية هي إضطرار عدوي الحرب جنود الراقم 684 العراقيين مع جنود الراقم 1050 الإيرانيين على اللجوء إليه، حيث يقع هذا الرقم في الأرض الحرام إتقاءً للمطر العنيف الذي إستمر في الهطول بضعة أيام.. وحيث أن الجنود العراقيين عدوا من وجهة نظر وحدتهم العسكرية التي ينتمون إليها بحكم المفقودين مثلهم مثل الجنود الإيرانيين الذين عدّتهم وحدتهم العسكرية من المفقودين، كذلك قرروا إنهاء الحرب قبل زمن نهايتها بعد عدة شهور لكن على طريقتهم الخاصة.. هذا التعايش الإضطراري بين عدوين في أرض حرام واحدة لعب حميد قاسم على أكثر أوتارها إنسانية، فردانية تجمع بين أقصى حالات الشك في نوايا الآخر  وأدنى مشاعر التودد والتقارب الإنساني عبر نسج علاقات خاصة «علاقات حب متبادلة، عشق للقراءة والكتب، رفض مشترك لفكرة الحرب، كره مبطن أول الأمر ومعلن فيما بعد لزعيمي الحرب». كل هذه المشاعر الإنسانية المتناقضة أشد التناقض صهرها حميد قاسم في قالب إنساني مشترك غير قابل للتزييف أو المداهنة لتكون في متناول القراء وجبة دسمة سهلة الهضم في الوقت نفسه.
 


المشاهدات 1082
تاريخ الإضافة 2022/06/21 - 8:29 PM
آخر تحديث 2022/08/08 - 2:04 PM

طباعة
www.AlzawraaPaper.com