جريدة الزوراء العراقية

قراءة درامية لنص «موت الماء» للشاعر مصطفى الركابي


محمد عبد الرضا إرحيم:  
إنّ الحديثَ عن نص أدبي فيه سمةُ الأدبية هي السمةُ البارزةُ لَأنها مسألةٌ شاقةٌ على الكاتب وكما قرأ فوكو النصوص وتحويلها إلى خطاب وتأسيس وعي نقدي في الخطابات الثقافية فإنك حتماً ستقف مستفهماً ، ماذا يريدُ النص ؟ لأن النصَ هو خطاب يحمل إرهاصات بصرية عن واقع معين معاش وبهذا يكون الكاتب أمام نص ( خطاب ) شعري للشاعر المبدع مصطفى الركابي والذي عنونه ( موت الماء ) فالوقوف على عنونة النص تحتاج اجتهادا تقنيا لفك شفراته الدلالية
في بداية النص يشغل الكاتب القراء بسرد قصصي فيه اشتراطات الخير والعمل الصالح وقد مدّ النص يده لينهل من النص الإلهي متعته الإلهامية والتي صاغها الشاعر بتصوير ثلاثي الأبعاد ليعكس المرآة من النسق القصصي القرآني إلى النسق الواقعي مستلهماً في ذلك قصة الخضر (ع) ــ والقصة معروفة ــ إذ اخرق السفينة والذي كان من نيته اصلاح النفس فوقف النص شامخاً قائلاً:                    
انا خطايا نبي بعض نيته
عن كل بحر عتي أحرق السفنا
سأبني لكم جدار الخير ليكفل يتاماه ويحفظ المدن وتلك إشارة نسقية ثقافية واضحة إلى الحشد الشعبي والمجاهدين الذين سقوا من دماهم الأرض ليحفظوا سرها بعد أن ضيعها التائهون في صحاري الوطن فقام الأبطال وارجعوا الوطنَ السليبَ من خلال إشارة النص في تصعيد درامي ممتع.                                              
وينبغي التنبيه إلى الوعي المخفي وما يحمله من دلالات سياقية داخل العنوان ( موت الماء ) فلو رجعنا للنص القرآني الآية 30 من سورة الأنبياء ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) فسوف يلد هذا التضاد سؤالا فاعلا في تأسيس وعي لافت للعنونة مِنْ خلال التصعيد المعرفي الذي يطرحه النص. كيف يموت الماءُ وهو يحي كل شيء ؟ ويبقى السرد مفتوحاً من خلال البنية ( كانوا هنا ) فاستخدم الشاعر بنية الفعل الماضي الناقص ( كان ) والذي اعطى إشارة توضيحية توصيفية جمالية بأنّ الحدثَ قد مضى ولكن دلالة الفعل هي الاستمرارية فهذا الاستخدام تشير دلالته السياقية إلى الاستمرارية فهم كانوا ومازالوا هنا . يكرر الشاعر الدرامية الخطابية في النص ويعيد إلينا سؤالاً بارعاً من خلال الدلالة السياقية ( ما انطفأوا ) والسؤال هو : هل هم شعلُ نارٍ فمسهم الماءُ وانطفأوا ؟ وما زال رصيد السؤال المعرفي والخطابي فاعلاً للنص فيسنده بدلالة سياقية وسؤال طلبي مستخدماً بنية ( كم الاستفهامية ) كم ظمأوا ؟ وهذا كله إشارة الى الشهداء فهم بين أمواج الماء يحملون عطشهم وأرواحهم المطفأة!
ويبقى النص وشاعره يثير الدهشة الإذهانية إذ يقول ( مروا عجالى بنهر الرمل ) فالدلالة السياقية الحالية مع السابقة تشغل النص ببعض الإنزياحات التعبيرية ( موت الماء ــ نهر الرمل ) وهي إشارة واضحة لتحويل النهر رملاً بعدما دفن فيه رجال الشهادة والإنسانية ( شهداء سبايكر ) ثم يحول النصُ النهرَ إلى شاخصٍ قصصي يروي تفصيلات محنة الموت مستخدماً بنية حالية مؤطرة بأسلوب الاستفهام الطلبي ( كيف شاءوا ؟ ) وهذه البنية الحالية روت محنة الشهداء بأنّ حالهم ( لا لانوا ولا اختبأوا ) وفي هذه الدلالة القصصية جعل الشاعرُ النهرَ راوياً لها فالنهر وحسب ما جعله النص راوياً للعطاشى وراوياً للأحداث.                  
ثم يورد النص بنية تعليلية أخرى ( إذ لجأوا ) وهي بنية تعليلية حسب قول بعض النحاة إذ علل الهمس من بين نهايات العمر وبين فقاعات الماء وهذا الهمس له صدى واضحٌ يثيره تعبير دلالي موح ( تكسرت لوحة التدوين في فمهم ) فالصرخات المدوية لم تترك من يدون لهم أن يكتبوا شيئاً غير الخلود وحتى المرايا التي يعكس صورتها الماءُ أصبحت جراحاً وهذه قيمة قصصية للمأساة التي عاشها شباب سبايكر في لحظة وداع الحياة.
بقي الشاعرُ مصراً على جعل النهر راوياً وقد استخدم هذه المرة بنية طلبية تفيد الدعاء ( هل لا زلت ) فـ ( لا النافية ) مع الفعل الماضي تفيد الدعاء وهنا من حق المتلقي توجيه سؤال إلى النص هل اراد الشاعر دعوة شذاذ الظلام أن يستمروا بتذكير الأمهات بالفجيعة ؟ لان الشاعر بعد ذلك يثير تساؤلاً مفاهيمياً سلساً يخاطب فيه النهر ( أم انشغلت بقمح الغير تنعشه ) وهذا نسق ثقافي يطرحه الشاعر معتبراً النهر راوياً للأحداث وراوياً للقتلة . وفي سياق النص يقول ( وهم ببابك منسيون قد صدؤوا ) فلو وقفنا على مفردة ( صدؤوا ) فإنها تعطي معنيين فيهما إشارة دلالية توصيفية جميلة فالمعنى الأول لها هو : طبقة هشة يميل لونها إلى الأحمر الفاتح أي له شقرة تسمى ( الأكسيد ) فهل في نية النص إشارة مشفرة إلى تغطية الماء بهذا الأكسيد الأحمر ؟ والمعنى الثاني ينبثق من دلالة القدم والإهمال الذي توحي به مفردة الصدأ. فنراه معاتبا للنهر الذي مازال دائبا في سريانه الأزلي .مانحا خيره للآخر. وكأنه قد محى من ذاكرته دم هؤلاء الذين عانقوا أمواجه حاملين أحلامهم الموءودة. يقول النص ( لا تشرح الدمع عند النهر يا وجعاً ) فالنص هنا يفرض محادثة غرائبية بين الدمع والنهر فإذا خالط الدمعُ الماءَ يصعب الشرح وأي شرح إنه الوجع لذلك عضد الشاعر هذه الرؤية بدلالة مضادة لمفهومية الماء فالمفهوم العام للماء إنه يطفئ النيران لكن الماء الذي بنى عليه الشاعر المبنى الحكائي كان محرقة فهو احرق صحف الله ( فالماء احرق صحف الله ) . ويختم الشاعر نصه ( موت الماء ) بدلالة لها أثرها الحزين على النفس فقال ( وزعوا الشهقات الخضر سنبلة ) فبنية فعل الماضي ( وزعوا ) تعطي معنى الترتيب وبذلك فالشاعر رتب شهقات الارواح الشهيدة المرتفعة للسماء كأنها سنابل على خرائط الرمل لتكون علامات دالة على وجود طريق الإنسان عبر الخلود الباقي من خلال التضحية ، ثم يعيدنا هذا الطرح إلى مجاورة تقريبية إذ الرملُ لا يصلح للزراعة ولكن الشاعر وببراعة اللفظ جعل منه مزرعة للسنابل المفروضة على واقع الرمل لترك أثرها على جبهة التاريخ وليبقى الخلود بهذه الدلالة الترميزية التي ترتبط بالوجود الحشدي المقدس .
 


المشاهدات 1038
تاريخ الإضافة 2022/05/21 - 8:35 PM
آخر تحديث 2022/07/22 - 6:11 AM

طباعة
www.AlzawraaPaper.com