جريدة الزوراء العراقية

الــلــغــــز


فاضل الفتلاوي 
لم يصدق أن إجراءات الجنازة والعزاء لوالده قد انتهيا ، كان يعد الوقت الذي طال كثيرا ولم يفارق خياله للحظة المظروف المخبأ في خزانة والدته والذي يحتوي الكنز ، كنزا عقد عليه كل اماله وهو الوارث الوحيد أو هكذا صور له خياله في حالة نشوة وبعد سماعه لإيماءة من العجوز برغبتها التنازل عن حقها ، راح يجمع ويخطط ويضع الخطط المستقبلية ، كانت يداه ورجلاه ترتجفان وهو يفتح اسوار السعادة حيث السيارات الفارهة والقصور الخرافية والنساء الملاح ،كان متأكدا تماما من ضخامة الميراث وهو الذي كان مستودع سر الراحل الكبير ،أسند كيانه على الأريكة وهاله عديد الأوراق في المظروف وراح يقرأ، ولدي الوحيد لا أخفيك سرا أني رجل عصامي جمعت من الثروة ما يكفي أجيالا بعدي وهذه من نعم الله علي ، بني كنت ابنا بارا لجدك المسكين نعم المسكين ولا تستعجل بالله عليك وتابع القراءة وستعرف لاحقا معنى المفردة، كان صائغا حاذقا يشار اليه بالبنان وكنت وحيده وعلمني اسرار المهنة فأجدتها وكان سعيدا بي ، كانت أمي من طراز عجيب غريب لم أتصور على الأطلاق أن هناك في الدنيا كلها حنانا مثل الذي تمتلكه ولكن ولسوء حظي رحلت قبل مراهقتي بعام، تركت فراغا لا يعوض واسودت الدنيا في عيني، وبقيت مع أبي لفترة الذي عارض مشروع الزوجة الثانية بشدة ، ولكن أمرا حدث ذات ليلة شوش افكاري وقادتني ثورة شك الى مراجعة نفسي مليا، كان يتحدث مع أحد زملائه في المهنة وقادني الفضول الى التنصت بعدما لمست أن في الأمر سرا ما ،سمعت جدك يقول لزميله : خوفي كل خوفي انكشاف سر ذاك الصبي المسكين ليس هذا فحسب بل لدينا من الأسرار في هذا البيت ما يفجر بركان ، أصابتني رعدة وقشعريرة وأحاط بي الظلام وقبل مغادرتي أردف والدي: ليرحم الله أبي لم يخبرني بالحقيقة إلا وهو يحتضر ، على الفور رحت أقارن الأمور وراح بي الخيال بعيدا ولكني أقنعت نفسي أخيرا بأن الأمر لا يتعدى شك في غير مكانه، وتزوج والدي من امرأة سليطة اللسان قبيحة الطلعة ،كانت تحصي علي أنفاسي ،تهددني يوميا بكشف المستور ولاحظت تغيرا في سلوك والدي معي ولكني تذرعت بالصبر وخوفا من عاقبة عقوق الوالد ، وأخيرا لم يتبقى في قوس الصبر منزع ، فقررت الرحيل ورصيدي المهني يساعد على سبر أغوار الحياة وتلقفني الصاغة فسارت الأمور من حسن الى أحسن، وذات ليلة أرسل والدي في طلبي على وجه السرعة ،كان في الرمق الأخير ،ألتفت ألي وهو يجهش بالبكاء، وقال: بني أنا رجل أخاف الله ولا تتفاجأ إن أخبروك بحرمانك من الميراث ، لم أكن اكترث للموضوع ، قلت : أبتي أني اتفهم موقفك ، قال: أي موضوع؟ طلب مني الدنو منه ليهمس في اذني : يا ولد إنك لست من صلبي وجدناك أنا والمرحومة في القماط على قارعة الطريق فكنت هبة من الله خصوصا اننا عاقرين، كانت هذه اخر كلماته بعدها اسلم الروح، بني لا اطيل عليك كثيرا جميع اموالي وعقاراتي وهبتها للجمعيات الخيرية وحتى البيت الذي تسكن فيه صار لغيرك، أصابني دوار رهيب بعدما ختم والدي وصيته بشكري وأني لست من صلبه .
 


المشاهدات 1084
تاريخ الإضافة 2022/05/18 - 8:40 PM
آخر تحديث 2022/08/08 - 2:10 PM

طباعة
www.AlzawraaPaper.com