جريدة الزوراء العراقية

قلق الهويّة في رواية «عوالم موازية» للروائي ماهر مجيد إبراهيم


د.عمار ابراهيم الياسري
شغلت إشكالية الذات والآخر التنظير السرديّ منذ سنوات ليست بالقليلة، إذ نجد تساؤلات كثيرة حاول المنظّرون الوصول إلى إجابات وجودية لها، مثل: ما هوية الذات الكاتبة حينما تواجه نفسها والآخر؟ وما مديات الاندماج والانفصال؟ وما الرؤية التي ينطوي عليها النص قبالة الوجود والموجود؟ وما علاقة القلق الوجودي للبطل وخلخلة الانتماء؟ إن هذه الأسئلة رافقت تشكلات البطل في السردية العراقية منذ عقود، والأمثلة عنها لا تعد ولا تحصى.
وقد ارتبطت هذه التساؤلات بمفهوم الهوية التي تعد في أبسط مفاهيمها مصطلحًا اجتماعيا ونفسيًا وسياسيًا يشير لوصف مفهوم الشخص وعلاقته مع الجماعات المحيطة به، في البدء كان هذا المفهوم قارًّا، أمّا مع التحولات المعرفية والجغرافية أصبح مفهومًا متنوّعًا، إذ ربما تتشكل الهويات من خليط ما ثم يتم إعادة إنتاجها على وفق عادات وتقاليد جديدة على الرغم من الاختلاف الديني والعرقي الذي يكتنفها.
في رواية عوالم موازية للروائي ماهر مجيد إبراهيم تعددت الاسئلة الوجودية التي شكلت متن البنية السردية وساهمت في دفع أحداثها، فالبطلة سارة تعد من الهويات القلقة التي وقعت تحت حيف سلطتين وجوديتين، الأولى تحمل ملامح الصيرورة التي ترسخت بوساطة المرجعيات العراقية للأسرة، إذ كانت عبارة عن خليط غير متجانس من المرجعيات المرتبطة بالدم والعنف التي أدت إلى موت والدتها ووالدها والثانية الحمولات الكولونيالية البريطانية التي ترى المواطن الأشقر هو المتحضر الوافر المعرفة قبالة أهل الشرق الذين وضعوا في منزلة ما بين الحيوانات والبشر.
وقد عمد الروائي إلى صنع عالمين متناقضين ومتقاربين في آن واحد، الأول داخل العراق وفد تجلى بوساطة الحركات الدينية المتطرفة التي تسعى تصفية الآخر المختلف والقضاء على كينونته مثل الحركات ذات المرجعيات الماسونية أو الديانات القديمة أو حركة الشيخ عبد الحميد والثاني خارجي وقد تجلى عن طريق الحركات الخارجية التي تجلت بوساطة الفكر المتطرف في المجتمع الانكليزي مثل شخصيتي ثيو وشارلوت وما تقوم به الحكومة البريطانية أو الأمريكية ، تحت هاتين السلطتين شهدت الهوية خلخلتها الأولى، ولو حللنا الحوار الذي دار بين ثيو الذي يمثل المركزية الشقراء وصديقته سارة ذات الأصول العراقية نلحظ مقدار الحيف الذي يتعرض له الآخر المختلف في الصفحة الحادية والثلاثين، نلحظ أن ثيو وصم العربي بالوحشية وبين لها خوفه من جذورها في حين ردت سارة قائلة ( إلا ترى أنني انجليزية حد النخاع .. صدقني أكثر شيء أريد نسيانه هو تهمة انتمائي للعراق) هنا تحاول البطلة الاندماج قسرا مع المجتمع الجديد والتخلي عن المرجعيات الأولى، ليس هذا فحسب بل أن ثقافة الاستهلاك التي أشاعتها المركزية الغربية تحت شعار الكوجيتو الجديد (أنا استهلك إذا أنا موجود) بررت موافقة سارة للذهاب إلى العراق للحصول على إرث حدها السيد محي الدين، من هنا تجلت فلسفة الصراع التي جعلت من الحدث الروائي يجيب عن التساؤلات التي وردت في مطلع الدراسة.
ولم يكتف الروائي بتشييد معماره الاستهلالي على وفق ثنائية الذات والآخر والداخل والخارج ، بل عمد إلى توظيف كسر أفق التوقع مع أول الأزمات الدرامية، إذ شهدت الذات الساردة تحولًا بنيويًا منسجمًا مع الأصوات السردية لأبي جابر وحارث ورباب المقربين من جدها السيد محي الدين والذين يمثلون الطرف المعتدل في عالم الديستوبيا العراقية، إذ تماهت معهم من أجل إشاعة ثقافة المحبة والسلام والوطنية، فعن طريق هذا التحول أراد الروائي أن يقوض السلطات التي جعلت من الإنسان المعاصر آلة صماء تحركها كيفما تشاء، هو صوت المهمش الذي وصفه الفيلسوف الألمانيّ (نيتشة) أنّ الإنسان تحوّل بوساطة منظومة السلطات إلى لعبة للإقصاء والتهميش، لذا يجب موت السلطات المتمثّلة بموت الإله، الإله الذي صنعته الأيدلوجيات والمركزيات الدينية والاجتماعية والسيسيوثقافية، لذا كان انغمار البطلة سارة مع الأدبيات العرفانية الطريق الأمثل لخلاص الأمة من نزيف الدم والعنف والإقصاء والتهميش، فالطريق إلى الإشراق يمر عبر التجليات الروحية التي تنأى بنفسها عن أدران الحياة وحمولاتها المادية التي حولت البلاد إلى مستنقع آسن.
أما التحول الثاني الذي شهدته الذات الساردة فقد تجسد بوساطة الصراع الدموي ما بين المعسكر المثالي والمعسكر المادي، إذ ترى البطلة سارة إن الأديان بمختلف مرجعياتها تؤمن بالمحبة والسلام إلا أإن القائمين عليها قد شوهوا صورها من أجل منافعهم الدنيوية كما يتبين ذلك في حوارها الوارد في الصفحة الثامنة بعد المائتين إذ تقول “ كيف لي هذا ومريدي الأديان كلا يرى أن دينه هو الحق والآخر قد أفسد أو أنحرف أو كذب” لكنها لم تفلح مثلما فشل الحلاج المصلوب والسهرودي المقتول، إذ تعرضت مع مريديها إلى أبشع عمليات التصفية التي قتل فيها قاسم وسيف وحارث ورباب لتبقى وحيدة في نهاية وجودية مريرة من جهة ومفتوحة من جهة أخرى حينما جعلت من السيرورة الأولى هي المنقذ المنتظر للخلاص من سطوة السلطات، إذ تقول في الصفحة السادسة والتسعين بعد الثلاثمائة “ لابد أن نعود للعيش في بيوت بسيطة من طين أو آجر، أن تكون من صنع أيدينا ، هذا هو الملجأ الوحيد الذي يقينا سموم الغرب” عندها ستذوب الهويات الفرعية وتبقى هوية الخير والجمال والمحبة هي المتسيد الأوحد في عالم الاستهلاك الذي يحيط بنا.
رواية عوالم موازية نسجت حياة موازية وجهت ضرباتها التقويضية للمركز المتسيد منذ عقود متخذا من جلباب القداسة وتدا متينا من أجل إحكام قبضته، لكن الرواية وحسب رأي الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا رواية المهمش الذي سيخلخل الطبقات الفوفية يوما ما مادام الإنسان المستلب هاجسها الوحيد وهو معمار برع في تشييده الروائي ماهر مجيد إبراهيم.
 


المشاهدات 1092
تاريخ الإضافة 2022/05/17 - 8:51 PM
آخر تحديث 2022/08/14 - 12:17 PM

طباعة
www.AlzawraaPaper.com