رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
مدارس العراق الطينية بين الرأسمالية الوطنية والرأسمالية الطفيلية ...ليث الحمداني


المشاهدات 1334
تاريخ الإضافة 2022/02/08 - 8:22 PM
آخر تحديث 2022/08/13 - 10:10 PM

أعادني تقرير نشر مؤخرًا عن انتشار المدارس الطينية في العراق وصور أخرى تداولها ناشطون عراقيون على وسائل التواصل الاجتماعي لتلاميذ يؤدون امتحاناتهم في العراء وهم يفترشون الأرض. أعادني إلى الثمانينات، وتحديدا إلى عام 1987 يوم أدركت وزارة الحكم المحلي الصعوبات التي يواجهها التلاميذ في المدارس ذات الدوام المزدوج فقررت وبالتعاون مع وزارة التربية إطلاق المشروع الوطني لبناء المدارس الذي استهدف بناء 2040 مدرسة في أنحاء العراق على أن يبدأ المشروع الذي خصص له مبلغ 40 مليون دينار في يناير 1988 ويكون هذا المبلغ حصة الدولة من المشروع 50 في المئة من الكلفة ويسهم رأس المال الوطني (الصناعيون والتجار) بـ50 في المئة الثانية.
وفعلا تم تصميم نموذجين، الأول للمدارس الابتدائية التي يتراوح عدد صفوفها بين 14 – 16 – 18 صفا دراسيا مع المباني التكميلية، والثاني للمدارس الثانوية، وعدد صفوفها 24 صفا دراسيا مع 3 مختبرات والأبنية التكميلية.
تم توزيع المدارس جغرافيا على المحافظات، وبرمجة تنفيذ المشروع على مراحل تستغرق ثلاث سنوات.
ما يهمّني هنا هو الدور الذي لعبته الرأسمالية الوطنية التي كوّنت ثرواتها من العمل والإنتاج وخدمة الاقتصاد الوطني، تلك الرأسمالية التي أسهمت في بناء العراق.
ولأن الذاكرة لا تخدمني الآن بعد كل هذه السنوات فقد عدت إلى دراسة الماجستير القيمة “جريدة الاتحاد ودورها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي في العراق 1985 – 1990 للأستاذ مثنى عبدالقادر عارف المقدمة لكلية الآداب في جامعة بغداد والتي أشرف عليها الدكتور عصام خليل محمد”.
وتشير الدراسة إلى أن اتحاد الصناعات العراقي دعا الصناعيين للتبرع للحملة حيث بادر الصناعيون للتبرع ماديا وعينيا.
بعضهم تبرع بآليات ومعدات وسيارات نقل، وبعضهم تبرع بالمواد الإنشائية الداخلة في البناء من أبواب ومواد صحية وزجاج وغيرها، وبعضهم تبرع بالأثاث من مصانعه، والأهم والأبرز قيام بعضهم بالتبرع لإنشاء مدارس كاملة.
وهنا اذكر أنني وبحكم مسؤوليتي عن تحرير جريدة الاتحاد حضرت حفلات افتتاح بعض هذه المدارس ومنها مدرسة النصر الابتدائية المختلطة التي أنشأها الصناعي يونس السماوي في حي الشهداء بمدينة الناصرية، ومدرسة الشيماء الابتدائية في منطقة الشواكة بجانب الكرخ التي أنشأها الصناعي فؤاد الوتار.
وبنيت تلك المدارس حسب المواصفات الهندسية الموضوعة للمدارس الابتدائية تضم الواحدة منها 12 صفا دراسيا بالإضافة إلى الساحة الرياضية وأبنية الإدارة والخدمات والمرافق الصحية.
الدراسة تشير إلى قيام مجموعة شركات الحاج محمود البنية وأولاده بإنشاء مدرسة عدنان خيرالله الثانوية للبنات في حي الخطيب في الكرخ التي ضمت 24 صفا دراسيا مع 3 مختبرات وقاعة للحاسوب ومرسم ومكتبة وجناح إداري مع أبنية الخدمات والمرافق وساحة الرياضة، وقيام الصناعي موفق العلاف بإنشاء (ثانوية ذي النورين للبنات) المواصفات السابقة نفسها في منطقة الدورة ببغداد.
أبرز الصناعيين الذين أسهموا في بناء المدارس عبدالهادي حمرة ومحمد كافل حسين وعدنان الحلي ومؤيد زكي شريف وغيرهم، وقد توقف المشروع بعد أحداث الثاني من أغسطس 1990. وكان عدد المدارس التي تم إنشاؤها 1356 مدرسة من بين العدد المستهدف 2040 مدرسة.
هؤلاء الصناعيون وغيرهم من الممثلين الحقيقيين للرأسمالية الوطنية الذين كوّنوا ثرواتهم بالعمل والإنتاج وخدمة الاقتصاد الوطني أنفقوا من أموالهم التي جمعوها خلال سنوات طويلة بعملهم وسهرهم وجهدهم لبناء مدارس لأبناء وطنهم. لم يكن أيّ منهم بعثيا ولم نكن نعرف ما هي دياناتهم أو مذاهبهم .
فماذا فعل الرأسماليون الطفيليون، وخاصة أدعياء الإسلام السياسي الذين كوّنوا ثرواتهم بعد عام 2003 لمعالجة الواقع المر للمدارس الطينية في العراق؟
أجزم أن هؤلاء امتلكوا خلال سنوات قليلة أضعاف أضعاف ما كان يمتلكه أولئك الصناعيون الذين أفنوا سنوات عمرهم لتطوير صناعاتهم وتحسين اقتصادياتها وجعلها صناعات منافسة في الأسواق العراقية والعربية.
هذا هو الفرق بين الرأسمالية الوطنية والرأسمالية الطفيلية.
الأولى تساهم في بناء بلدها، والثانية تسرق ثروات بلدها.
رحم الله من توفّي من أولئك البناة وأمدّ في عمر من بقي منهم حيا وهو يعيش بعيدا عن العراق حيث لم يعد له مكان بين التماسيح التي اجتاحت العراق بعد 2003. ورحم الله تلك الأيام.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير