جريدة الزوراء العراقية

لا تعتقي الماء .. منال يوسف .. ومشهدية الكادر الشعري


أشرف قاسم
قليلة تلك النصوص التي تنتمي إلى قصيدة النثر التي تترك في المتلقي أثرا، وفي روحه دهشة، ربما لأن قصيدة النثر الآن تمر بحالة من الإسهال والاستسهال الكتابي من قبل كل من يدعي كتابة الشعر، ظنا منهم أنها مركب سهل يستطيع كل من هب ودب أن يمتطيه، وهذا خلاف الحقيقة، لأن قصيدة النثر الحقيقية، التي تعتمد على الإدهاش والمغايرة هي بلا شك صعبة المنال إلا على شاعر حقيقي، لديه الملكة والأدوات.
في ديوانها الصادر حديثاً “لا تعتقي الماء” تحملنا منال يوسف عبر لغتها الآسرة، وصورها الطازجة، إلى عالم الدهشة والسحر في آن واحد.
تقبض على لحظات التوهج وتقطرها كما تقطر عطورها في ثنايا نصوصها بتلقائية محيرة.
ترصد عبر نصوصها آلام الإنسان وعذاباته، وترسم أحلامه المهيضة، بفرشاة طفلة تعتمد الصدق دربا لكل ما تقول:
يقولون: ربما تمطر
أوقن أنها لا بد ماطرة
وإذ يمضي الشتاء
لا يبقى معي سوى ألوان بهجته
التي خلفها المطر
جمعتها من أجلي
مروحة في الصيف .. ومدفأة للصقيع/ ص61
تتكئ منال يوسف في نصوصها التي بين أيدينا على دينامية اللغة ومرونة اللفظة المعبرة، دون معاظلة أو غرابة، ودون الدخول بالمتلقي في تهويمات وأحاج تشبه الطلسمات، لأنها تؤمن بالنهاية أن المتلقي شريك في النص، وان الشعر في أبسط معانيه هو ما أشعرك:
لا ترسل إلي صوراً أنيقة
لها رائحة عطور زائفة
ثبت الكاميرا على وجهك المتعب
عيناك ساجدتان
كحيوان منهزم
جسدك فارس عاد لتوه من معركة
وذراعاك
ساقان في نهاية سباق ألف متر
تلك لحظتي الفضلى/ ص30
كما أن راهنية النص وٱنيته سمة مميزة لتلك النصوص التي تحتفي بالإنسان في شتى حالاته، لذا نجدها تشبه اليوميات التي تعبر الشاعرة من خلالها عن الآخر ومعاناته من خلال ذاتها الشاعرة التي تلتقط كل ما حولها بدقائقه وتفاصيله المتناقضة، مثلما فعلت في نصها المدهش “موعد جديد مع الموت” والذي رصدت من خلاله تداعيات تفشي كوفيد 19، وكما هو الحال في عدة نصوص أخرى بالديوان منها:
عالقة ومطبخي
كحبة مستكة في حساء
أرقب نشرة الأخبار
تنفي ما أخبرتنا به في المساء
كوفيد يعزف أكثر
والكمامة رفيقتنا المستدامة
ملاذ غير آمن/ ص8
واذا كانت الصورة الشعرية الطازجة المغايرة هي سمة تلك النصوص التي بين أيدينا فإن اللغة الحية النابضة التي عبرت بها الشاعرة عن تلك الصور المتتابعة هي الوعاء الثري الذي حمل معاناة ذاتها، واستطاعت من خلال تلك اللغة أن تصنع عالمها الخاص دون ترهل أو اكتناز:
لا تعتقي الماء
ودعيه على وجنتيك
في شفتيك
حول جيدك
فالماء يتحرر في دمك
ليست هناك انتصارات
والخسائر المحتملة بيانات زائفة
حين تموت أسأل قلبك عن كلمة المرور
وافتح بريدها
ربما تجد رسالة
ذيلتها الانتصارات
وقد خطت بها:
“حضرت ولم أجدك”/ ص18
كما أن جرأة الطرح، وتفجير مكنونات الذات الإنسانية بكل ما يكتنفها من غموض، وتناقضات يعد من الملامح البارزة في تلك النصوص، ولا أعني مجرد جرأة استخدام اللفظة المقتحمة فقط كما هو موجود في بعض نصوص الديوان، ولكن أعني جرأة المشهدية البصرية التي تصنعها الشاعرة، دون تصنع أو مخاتلة، تلك الجرأة التي هي في معناها الأول كسر للتابو ولكن بحرفية منضبطة، ولعلها التوهج الذي ذهبت إليه سوزان برنار وهي تضع معايير قصيدة النثر:
لو أنني أرخيت هزائمي
على كتفيك
وأهدرت ذاكرتي في صدرك
هل ثمة قبلة تردني بادئ الطريق؟
القبلة موت الحكايا
وأنا المراوغة
أتفقد كراستي والألوان
أخبئ برايتي
ضفائري
التاريخ الفاحش الأكاذيب/ ص12
إن منال يوسف في تلك النصوص قد استطاعت أن تترك بصمتها الخاصة التي ستتضح أكثر وأكثر في أعمالها القادمة، والتي ستضعها في المكانة التي تستحقها ضمن شعراء قصيدة النثر الحقيقيين، الذين يبدعون من خلال ذواتهم بعيداً عن النحت والذوبان في أصوات أخرى، ليكون لها صوتها الخاص الذي يميزها، ونحن بالانتظار.
 


المشاهدات 1105
تاريخ الإضافة 2021/11/24 - 5:36 PM
آخر تحديث 2022/01/21 - 11:05 PM

طباعة
www.AlzawraaPaper.com