جريدة الزوراء العراقية

المواطن بين مطرقة الكهرباء وسندان الفساد


جاءت أزمةُ شح الطاقة الكهربائية في العراق مبكراً خلال الموسم الحالي، وقد تزامنت مع ارتفاعِ درجات الحرارة الى أكثر من نصف درجة الغليان في عددٍ من المحافظات.
ارتفعت حدةُ الغضب الجماهيري من شدة نقص الطاقة الكهربائية، في ظل تراجعٍ كبيرٍ بمستوى تجهيز الطاقة، الذي وصل إلى نحو 16 ساعةَ قطعٍ في اليوم الواحد، في حين شهدت بعض المحافظات انقطاعاً تاماً للتيار الكهربائي.
الكهرباء.. هذه المعضلةُ التي أنهكت المواطن فكرياً ومادياً، وأصبحت شغله الشاغل، لما تمتلكه من أهمية في حياته، والتي فشلت جميع الحكومات المتعاقبة في العراق منذ عام 2003 بوضع الحلول الناجعة لها، والوقوف لمعالجتها، رغم الأرقام الكبيرة التي أنفقت على استعادتها، والتي تقدر كما يصرح به في الإعلام بنحو 80 مليار دولار.
أقول.. كثر الحديثُ منذ سنوات في بلدنا عن كثرة ملفات الفساد، واشتدت سخونتها في الآونة الاخيرة، وارتبط ملف الطاقة الكهربائية في العراق بالفساد وهدر المال، وأصبح المواطن بين مطرقةٍ الكهرباء وسندان الفساد.
إن المتابع للمشهد السياسي يسمع بين الحين والآخر تصريحات من أطرافٍ عدة تتحدث عن حجم الفساد، وبلوغ ذروته في البلد، وفي مجالات عدة.
وتخرجُ أيضا من دوائر الدولة وهيئة النزاهة، وبشكلٍ مستمر ودقيقٍ، بياناتٌ تشير الى كشف حالات فساد كبيرة، وإحالتها على القضاء، من خلال لجان مختصة ومهنية.
أقول.. الفساد يسخن الوضع السياسي في أغلب البلدان، ويكون من أخطر الملفات وأشدها تعقيداً، لان اقتصاد البلدان قد ينهار إذا لم تتم السيطرة عليه.
قد تكون ملفات الفساد كبيرة أم صغيرة، كلها يجب أن تخضع للرقابة والتدقيق من قبل ذوي الاختصاص.
 كما يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار كل من يتحدث عبر وسائل الإعلام عن ملفات الفساد، أو يفصح عن أية معلومات قد تقلل من هدر المال العام، وتساعد على تقديم المتورطين بالفساد إلى القضاء.
يقول عباس محمود العقاد في هذا الصدد: (الأمة التي تُحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل تمتنع فيها أسباب الفساد). أما نجيب محفوظ فقد علّق على هذا الموضوع بقوله (عندما يأمن الموظف من العقاب سيقع في الفساد ويسوم الفقراء سوء العذاب)، والنصوصُ في هذا الصدد كثيرة، لاسيما في القرآن الكريم، يقول الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).
وباءُ الفساد ليس بجديدٍ، فقد انتشر في الدول الكبيرة والصغيرة.. الغنية والفقيرة، وأصبح ظاهرةً مخيفة.. وتبرم من أجل الفساد ومكافحته الاتفاقيات، وتعقد المؤتمرات، وتسن القوانين، ويشجع التعاون من اجل القضاء عليه.
وهناك عدة تعريفات للفساد.. فهناك من يعرفه بأنه الخروج عن القانون والنظام «عدم الالتزام بهما»، أو استغلال غيابهما من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للفرد أو لجهةٍ معينة، فهو سلوكٌ يخالف الواجبات الرسمية للمنصب العام، تطلعاً إلى تحقيق مكاسب خاصة مادية أو معنوية.. وبشكل عام فإن الفساد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمصلحة العامة.
وينقسمُ الفساد وفقا لمرتبة من يمارسه إلى فساد صغير، يشمل قطاع الموظفين العموميين الصغار، بحيث يتطلب إنجاز أية معاملة مهما كانت صغيرة تقديم رشوة للموظف المسؤول. 
وفساد كبير، يقوم به كبار المسؤولين ويتعلقُ بقضايا أكبر من مجرد معاملات إدارية يومية، كما يهدف إلى تحقيق مكاسب أكبر من الرشوة الصغيرة.
ومن أنواعه أيضا «الفساد السياسي»، وهو إساءة استخدام السلطة العامة لأهداف غير مشروعة كـ»الرشوة والابتزاز، والمحسوبية، والاختلاس».
والمفروض في السلطة أن تكون حياديةً تجاه كل المسائل والأشخاص، لكن مَن يتمتعون بالسلطة عادة ما يفقدون تلك الحيادية! 
ونسمع ونرى بين الحين والآخر في بعض الدول إلقاء القبض على شخصيات سياسية كبيرة متهمة الفساد، حتى بعد مغادرتهم للسلطة.
وبشكلٍ عام يمكن إجمال نتائج الفساد الى انتشار الفقر والجهل، ونقص المعرفة بالحقوق الفردية، وسيادة القيم التقليدية والروابط القائمة على النسب والقرابة، وضعف أجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها.
وأيضا ضعف الإرادة لمكافحة الفساد، وانحسار المرافق والخدمات والمؤسسات العامة التي تخدم المواطنين، وتدني رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص، وارتفاع مستوى المعيشة، ما يشكل بيئةً ملائمة لقيام بعض العاملين بالبحث عن مصادر مالية أخرى حتى لو كان من خلال الرشوة.
 


المشاهدات 1248
تاريخ الإضافة 2021/07/05 - 6:55 PM
آخر تحديث 2021/09/19 - 1:03 PM

طباعة
www.AlzawraaPaper.com