رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
العراقي بين عوق الداخل وغربة الخارج ....رواية «للمفتاح وجوه عدة» للروائي مهدي علي ازبين


المشاهدات 1039
تاريخ الإضافة 2021/05/04 - 4:55 PM
آخر تحديث 2021/05/11 - 7:05 AM

بقلم الأديب: حميد الحريزي
للحياة مفاتيح عدة، الإنسان في مسيرته الحياتية تعترض طريقه أحلامه، رغباته، لقمة عيشه الكثير من الأبواب المغلقة؛ ما يتطلب أن يجد المفتاح الذي تفتح به هذه الأبواب، بالتأكيد ليست كل الأقفال متشابهة، بل هي متنوعة كتنوع الحياة الانسانية عموماً وحياة الإنسان العراقي على وجه الخصوص، نعم يوجد ((ماستر كي))، ولكن هذا المفتاح لا تملكه إلا السلطة وأصحاب المال والجاه.
بطل رواية ((للمفاتيح وجوه عدة)) اللامسمى، لأنه يحمل آلام ومشاغل ومصائب ليس إنساناً واحداً بعينه، إنما هو نموذج مصغر للإنسان العراقي المعذب، تمكن عبر الصبر والتحدي والأقدام من أقتحام الصعاب، وأن يحصل على مفاتيح تفتح مغاليق الكثير من الأبواب من أجل إنقاذ حياة صغيره.بلدعاجزعن شفاءعوق أبنائه ،  ولايأتمن على حياة مواطنيه...
لانريدأن نفقد القارئ من متعة تفاصيل الرواية ومجريات أحداثها، لكننا نسعى إلى إضاءة منحنياتها ودلالة حوادثها.
الروائي يوجه سهام نقده لواقع مؤلم ويكشف عن فضح الكثير من الإجراءات والقوانين السلطوية في العراق، منها مثلاً همجية الحروب القذرة الجنونية التي أفقرت البلاد وأذلت الإنسان.
نموذج (المطي) هذا الإنسان العراقي المحترم صاحب المال والجاه في حياته المدنية الذي أذله الجيش، أو ما يسمى بخدمة العلم، أي علم هذا الذي لا يحترم من يخدمه، يحتقره، لا يعترف بإنسانيته؟ حيث عرّف بعض الظرفاء الجندي في الجيش العراق ((هو ذلك الحيوان الذي يحدّه البسطال من الأسفل والبيرية من الأعلى، ويقسمه النطاق إلى قسمين متساويين))  والـ (ج. م. ح)  بـ ((جحش مربوط حساوي)).
إحساس الشاب العراقي عندما يلتحق بالجيش عليه أن ينزع  كرامته مع نزعه للملابس المدنية، وقبل أن يدخل المعسكر ويرتدي البدلة العسكرية، كما فعل (المطي) الذي عرف نفسه بالمطي هو وإخوانه من الجنود، فكلهم مطايا في جيش الوطن.
السؤال عن أي شيء يدافع الإنسان إذا سلبت كرامته؟ وعن أي وطن يدافع إذا كان هذا الوطن يسلب كرامته ويمسخ ذاته؟
الروائي يوجه ضوء الوعي الكاشف على هذه الشخصية الممسوخة في الجيش، لكنها المحترمة الكريمة المضحية المحبة عندما تكون خارج أسوار المعسكر.
يجب أن يكون هناك جندي وجيش منضبط ولكن بكامل وعيه وإنسانيته، يجب أن يشعر بأن الاعتداء على الوطن هو جرح لكرامته ومسخ لإنسانيته، حتى يستبسل في الدفاع عنه ضد أي غازٍ أو معتدٍ، بالضد مما كان عليه في عراق الديكتاتوريات حيث أخذ الأغلبية يرون في المحتل محرراً ومخلصاً لهم من نير وتعسف النظام الحاكم؟!
وفي الوقت الذي يروي فيه مدى جبروت وقسوة السلطة الحاكمة وأجهزتها القمعية، يوضح مدى هشاشتها وإمكانية اختراقها من قبل أبسط الناس كما هو دور أم اللبن والقيمر في النهضة وساحة سعد وبائعة السمك في العمارة، حيث تمكنت أن تهيئ عوامل ووسائل خلاص وهروب الضابط الكبير مع ولده، ليصل إلى بلد الأمان والسلام في النمسا.
•يكشف الروائي الظلم والتعسف الذي مارسته السلطات الحاكمة في العراق ضد اليهود، وما تعرضوا له من الفرهود لأموالهم وممتلكاته وانتهاك حرماتهم تحت أنظار السلطة إن لم يكن بدفع وتشجيع منها في عمل متخادم مع الصهيونية العالمية، فبمثل هذه الممارسات الوحشية من قبل السلطات وبعض الجهلة من الناس، لا يبقى لليهود سوى إسرائيل والصهيونية العالمية ملاذاً آمناً لهم، وهذا ما كانت تخطط له إسرائيل بالفعل، وتمكنت من تحقيقه نتيجة عمالة الحكام العرب عموماً وفي العراق على وجه الخصوص وتسفيرهم اليهود العراقيين قسراً.
على الرغم من كل ذلك لم يتنكر الكثير من اليهود لوطنهم العراق ولذكرياتهم ومحبيهم، وهذا ما أبدته العائلة اليهودية من حب ورعاية للهارب العراقي وولده في النمسا، فمظلومية يهود العراق وسلب أملاكهم وعقاراتهم وبيوتهم ومصادرتها من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة ما زالت لم تعالج بشكل  قانوني عادل، ويعيد لهم عراقيتهم التي كانوا وما زالوا يتمسكون بها ويحنون إليها على الرغم من مرور عشرات السنين على ترحيلهم، وما زال الكثير من كبار السن ممن عاشروا اليهود وتعاملوا معهم؛ يتذكرونهم باحترام وتقدير لحسن تعاملهم ونزاهتهم  وسلميتهم، حيث عاشوا وسط العراقيين من مختلف القوميات والأديان دون أية حساسيات أو مشاكل تذكر،  ألا يكفي أن يسمى زقاق كامل على مقربة من ضريح الامام علي في وسط مدينة النجف باسمهم ((عكد اليهودي))، ولنا في مثال وزير مالية  العراق في أول حكومة وطنية عراقية من اليهود والكل يشهد بنزاهته وعلميته وقدرته الإدارية، وكان الكثير منهم رجالاً ونساء انخرطوا في صفوف الحركة الثورية العراقية وآخر مثال المناضلة الكبيرة سعاد خيري زوجة الراحل زكي خيري، التي رفضت التهجير وتمسكت بعراقيتها، ورفضت العيش في إسرائيل على الرغم مما تعرضت له في السجن والتعذيب والمطاردة من قبل السلطات المتعاقبة على حكم العراق.
•يسلط الروائي الضوء على المستوى العلمي المتطور الذي وصلت اليه  بلدان (الكفر) النمسا وغيرها في مجال الطب والمعرفة ومدى الحس الإنساني المذهل تجاه من يحتاج مساعدتهم، وهذا ما جرى بالفعل للطفل العراقي الذي عجز كل أطباء ومستشفيات العراق عن علاجه وإصلاحه لساقه  المكسورة.
•المحبة الكبيرة للإنسان من قبل العائلة التي تبرعت بعظم ساق ولدها الميت دهساً بسيارة لإنقاذ حياة الطفل العراقي، والاهتمام المذهل من قبل ام الطفل النمساوية حيث  تبرعت لزرع عظمة ولدها في ساقه واعتبرته امتداداً لحياة ولدها ولم تطالب مقابل ذلك سوى استمرار التواصل  وزيارة الطفل العراقي..
وبالإضافة إلى الرعاية الطبية الفائقة للطفل تم منحه الجنسية النمساوية وتعليمه في أرقى المدارس ليحرز أعلى مراتب المعرفة والثقافة وليتزوج من نمساوية، وقرر أن يستمر العيش هناك مدى الحياة بعد أن يودع والده الذي عاد الى أرض الوطن وقاتل قوى الإرهاب وليصاب إصابة خطيرة  تفقده حياته، وهنا يتضح لنا مدى تمسك العراقي بعراقيته  ودفاعه عن وطنه وشعبه والتضحية بحياته طوعاً من أجل ذلك حينما تتوفر له القناعة بعدالة الحرب التي يخوضها.
 خلف الضابط تسجيلاً مفصلاً حول حياته وحياة ابنه وما تعرض له من مصاعب وعقبات ومخاطر من أجل  شفائه، لتكون هذه الذكريات في عهدة (معز) الصحفي، ليصوغ منها رواية تحكي حركة المفاتيح في حياة فرد وشعب ومجتمع...
لغة السرد والحبكة الروائية:-
الروائي مهدي ازبين الذي يمكنني أن أصفه بصائغ الكلمات الناطقة، مهدي لا يكتب فعلاً أو عبارة في سرده للأحداث دون أن يكسبها الحركة والحياة، يؤنسن الفعل والعضو البشري والحيوان وحتى الجماد ويمنحه ذاتاً، فالرمش يرقص، واليد  تعزف، الفم يزغرد، الشجرة تومئ، الزهرة ترتعش، وبذلك فهو يجعل كلماته وعباراته مجسمات، صور ذات روح وخاصية التعبير عن ذاتها من خلال توصيف يجسدها (فم المستحيل)، (مدجج بالأسلاك)، (يفقد الصبر وقاره)، (توجيهات حادة الحواف)، (أحبو بخطوات تزحف على البلاط)، (كف الحزن)، (حسرات وداد)، (رذاذ طيبتها)، (ازحزح النعاس)، (سرير هامد)، (أصباغ تلهث).. الخ، وهذا يمتد عبر كل السرد الروائي، إنها إمكانية كبيرة للتلاعب باللغة وإجبارها على النطق لتكون العبارات صوراً في ذهن المتلقي، شعرية عالية وخيال واسع، وثروة لغوية مبهرة حقاً، هكذا وجدت مهدي في كل رواياته وقصصه.
كما أن الروائي أتبع أسلوب الحركة البندولية في السرد، لينتقل من مكان إلى آخر ومن حدث إلى آخر، ويتنقل في الزمان والمكان دون أن يخرج  عن الحبكة الروائية أو يخلّ ببنائها، فالنسج الروائي محكم وممتع لا يخلف الملل، ولكنه بالتأكيد يتطلب من القارئ أن يركز فكره حتى لا يضيع منه خيط السرد، أو يفقد تسلسل الاحداث وإن كانت منثورة على مساحة كل قارة الرواية من حيث المكان والزمان، فرواية ((للمفتاح وجوه عدة)) إضافة نوعية لرواياته السابقة ومنتج روائي عراقي مميز.. 


تابعنا على
تصميم وتطوير