رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
النوارس


المشاهدات 1040
تاريخ الإضافة 2021/05/01 - 9:48 PM
آخر تحديث 2021/05/09 - 7:34 PM

جمال نوري
أودع الفراغ آخر آهاته وحشرجاته وهو يتوسل أنابيب الاوكسجين لكي تنقذه من مخالب الاختناق، كان يسمع الصرخات والتأوهات القادمة من الغرف الأخرى تصاحبها حركة دائبة للمرافقين الذين استنفروا كل ما بوسعهم لتذليل العقبات ودحر اليأس الذي خيم على المكان بنصاله الجارحة.. في البدء كان يستخدم جوّاله ويزجي وقته في مراسلة بعض الأصدقاء وفي تمام الساعة العاشرة يبدأ اجمل مشوار معها حيث تواصلت معه وأكدت له بأنها لن تتخلى عنه ولن تتركه فريسة للمرض.. ولم تعدم وسيلة في بث روح المقاومة في أعماقه ومؤازرته على تعزيز مناعته في مواجهة الفايروس..
- لم تضعف يوماً.. كنت قوياً على الدوام.
- الأمر يختلف الآن.. النحول يدمر كل مقاومتي ويزعزع ارادتي..
- أعلم انني ما زلت احبك بجنون رغم كل ما حصل.. اصمد قليلاً من أجلي..
- سأبذل ما بوسعي لكي أكون جلداً ومتماسكاً..
هطلت أشعة الشمس وهي تقصم جانب السرير المحاذي للنافذة بينما تناهت الى مسامعه زقزقة العصافير المحتشدة على أشجار اليوكالبتوس الباسقة وهي تواجه نسمات الصباح العليلة..
- سأكون معك كل مساء.. نتحدث ونهذي، ولكن الأهم أن تعتني بنفسك..
- وجودك من جديد يمنحني طاقة اضافية..
- هل ما زلت تكتب هذياناتك..؟
- بالتأكيد.. معظمها توثق اللحظات المشرقة التي عشناها.. لا بد ان نواجه هذه الكارثة بما نملك من أسباب البهجة والتحدي..
- تسعدني كثيرا هذه الروحية الايجابية واصرارك على الكتابة أيضاً..
- أتمنى بصدق أن ألمس أناملك الجميلة..
تدهورت حالة المريض المجاور وبذل الاطباء ما بوسعهم ولكن دون جدوى.. استرخت أشعة الشمس على نصف مساحة الغرفة وأزاحت الرؤية والوضوح الذي كان يتلبسه وهويتطلع بكدر إلى  شآبيب الأشجار المتمايلة خارج النافذة.. كان يتنفس بصعوبة وعانى ما عانى في الأيام القليلة الماضية بعد أن نقلوه إلى المستشفى وسحبوا منه جوّاله الشخصي الذي لم يعد قادراً على استخدامه.. لا بد أنها أدركت الآن سر انقطاعه وربما تطلعت إلى البوستات التي نشرها اصدقائه وهم يلتمسون دعوات الناس لإنقاذ ما تبقى من روحه...
أدرك تماماً بأنه أصبح كنسمة خرجت من ركود الغرفة وتسللت بيسر من بين ظلال أشجار اليوكالبتوس وفي طريقه سمع نشيجها ينبعث من غرفتها العلوية وكأنها أدركت من دون الأخرين عزمه على التحليق عالياً مثل النوارس التي كان يعشقها.


تابعنا على
تصميم وتطوير