50عاماً على حرب حزيران ثانية

بدر الدين شنن

بدر الدين شنن

إن حرب حزيران 1967 ، هي حصاد ما جرى قبلها ، على المستويين الوطني والقومي .. حصاد تفكيك أول دولة عربية موحدة قامت بين سوريا ومصر ( 1958 ـ 1961 ) ، وبقاء التجزئة القومية .. حصاد ما جره ذلك من انحرافات ، وتوترات عربية عبثية ، وانحطاط مشين .
وحصاد ما جرى ويجري بعد العدوان ، من تواصل للتجزئة ، والتمزق ، والانحرافات اليمينية الفكرية والسياسية ، والعداوات والحروب العربية البينية البشعة ..هو غزو الإرهاب الدولي ، بدعم من أعدائنا من الدول الغربية الاستعمارية .. ومن الدول الإقليمية .. العربية الرجعية ، وتركيا ، وإسرائيل . وهو كل هذا الدمار الهمجي .. وكل هذا الموت المتأتي عن القتل المتوحش . إن هذا هو مفاتح موضوعنا الأول منذ أيام ، ومفتاح موضوعنا التالي في ذات المجال اليوم . وهو مفتاح ما يتريب من استحقاقات لتغيير نتائج حرب الإرهاب الراهنة علينا لصالحنا . فلنبدأ : ــ
الحرب تاريخ وعبرة
ـــــــــــــــــــــــــــــ:
حرب حزيران صارت تاريخاً لافتاً .. صارت درساً ومدرسة ، صار يستشهد بها الناس في التاريخ المعاصر .
خمسون عاماً ، بين حربين. هي سنون ثقيلة ، مشحونة بأحداث وتوترات ، لابد من أن تغيب من الذاكرة لدى المرء ، بعض الحقائق والوقائع ، سيما في حدث اشتمل على صراع إقليمي ودولي .. حربي .. وسياسي .. على مستوى عال من المسؤولية . ولقد تناول كثير ممن عايشوها ، واشتركوا فيها .. بالسلاح .. والسياسة .. والفكر أيضاً .
وبانفعالية ، أو جهل ، تم حصر تناول موضوع هذا الحدث ، بوقائعه ، وارتداداته المريبة المباشرة فقط . دون فتح ملفاته التآمرية العنصرية ، وملاقاته ملفات القوى الاستعمارية المتحالفة مع العدو بأشكال مختلفة .. ودون فتح ملفات ومقومات وتحركات هذه القوى المجهزة ليس لحرب واحدة ضد سوريا ، وإنما لحروب مستمرة شاملة ضد الوطن العربي كله . هدفها الاستراتيجي فيها هو وأ د، أي فكرة أو حركة جادة ، لإحياء الدولة القومية . بمعنى ، أن حرب حزيران ، لم تكن حرباً عابرة رداً على تحديات سورية .. وعلى إسناد مسري عسكري لسوريا .
وهنا تبرق اتهامات التقصير للمسؤولين . إن كل ما قيل في هذا المجال .. بعجالة .. أو جهالة .. أو عداوة .. عن تقصير المسؤولين في الحرب .. يعني بالمطلق .. أنه لو لم يقع التقصير لربحنا الحرب . وستخرج نتائجها عن سيطرة العدو وحلفائه . إذن ، إن كل ما قيل يستحق النقاش والبحث في مصداقيته الفنية والعملية ، سيما أن خسارة الحرب ، شملت أيضاً ، مصر ، والأردن ، ولعلهما تتقاسمان مع سوريا المسؤولية والتقصير ، وفي استحقاقات الحساب والقصاص الأخلاقي والسياسي والعسكري .
شتان بين تقصي وتقصير
إننا إذ نعود إلى الموضوع ثانية ، فلأن الكثيرين ، قد اقتصر تناولهم للموضوع ، على الوقائع والأصداء القومية وحسب ، ولم يتناولوا عوامل ومقومات إقامة الكيان الإسرائيلي وبنية الخلفيات والمقومات الصهيونية والعنصرية ، ولا تناولوا التواطؤ الا ستعماري الدولي المستدام على كل الأصعدة ، مع الكيا ن الإسرائيلي ، وانعكاساته على البلدان العربية .
وقد كان ينبغي ، في الحراك النقدي المتعدد ، أن تتوجه الأضواء ، إلى خلفية هذه الحرب العنصرية التوسعية .. قبل الحرب وبعدها ، لتكون الاتهامات أ كثر موضوعية .. وأكثر إنصافاً .. وأكثر دقة في الأولويات ، عند وضع لوائح النقد للتقصير. ما أدى إلى ضعف النقد للتقصير في حال وجوده ، وإلى منح العدو ما يرمي إليه من نصر معنوي ، وأزاح جانباً العامل الأيد لوجي . وألحق ضرراً كبيراً في الدفاع عن الوحدة القومية ، وعزز قوى التجزئة على المستوى العربي ، وساعد على ظهور ممثلي قوى التجزئة في عدد من البلدان العربية
جاء السادات وعصابته إلى الحكم في مصر ، وقام بتصفية المسار التقدمي للشعب الصري . ووافق على قرار مجلس الأمن الدولي ( 242 )المرفوض شعبياً .
وجاءت الحركة التصحيحية بعد أن أطاحت بالنظام اليساري التقدمي الذي رفض القرار 242 ، وانتهجت سياسة مغايرة للعهد السابق . واختار حرب التحرير الشعبية في تحرير الأرض المحتلة .وكرت» السيحة « اليمينية ، في السودان ، والجزائر ، واليمن الجنوبي . ما فتح المجال لانتشار أنظمة الاستبداد ، وإلى الانحدار الثقافي والفكري ، ولهجوم صهيوني وغربي إعلامي وسياسي ، اشتغل على قيام مجتمعات عربية متخلفة ، أفضت إلى ما سمي « الربيع العربي « ، وإلى هجوم الإ رهاب الدولي التدميري الدموي ، وإلى محاولات جذب هذه المجتمعات ، إلى التطبيع مع إسرائيل والتصالح معها .
ما مفاده أنه ، في السياسة والحرب ، قد تم إهمال المساس بالجذور ، وتجنب التعامل مع نتائجها السيئة المتأتية عن عدم مواجهتها ، بأماكنها وأوقاتها ، ما أدى طوال الخمسين عاماً الماضية ، محلياً ودولياً إلى التعامل ، غير العادل مع معادلة .. الوجود الإسرائيلي / والمصير العربي .
وتحلق الآن فوق الإقليم ، مخاطر التحالفات الدولية ، لتجعل من تحركات الحرب ، أو الحل السياسي ترتكز على ما تستمده من الجذور الصهيونية ، بدعم من الصهيونية العالمية والدول الاستعمارية ، من أجل تكريس الوجود الإسرائيلي وتوسعه على حساب الشعب العربي
هناك سباق وجود بين الصهيونية والشعوب العربية .. يرتكز فيه الرهان على خيار العرب الوجودي .. الذي يتجاوز حصاد إسرائيل في حرب حزيران وحصاد حرب الإرهاب الدولي .
والسؤال الآن : هل يحدد العرب خيارهم القومي ؟ ..

About alzawraapaper

مدير الموقع