14تموز جدل الثورة وكُتاب الطبقة الوسطى

مظهر محمد صالح

مظهر محمد صالح

تناول عدد من الكتاب والمفكرين مسألة نشوء الطبقة الوسطى في العراق ودورها المؤثر في مسار تطور تأريخ اجتماعيات علم الاقتصاد السياسي الذي قاد الى ظهور الأنموذج الديناميكي الموجب لصعود تلك الطبقة ودورها في التمهيد لانبثاق ثورة 14 تموز 1958 ومنهم صلاح حسن الموسوي وحنا بطاطو وابراهيم الحيدري ولطفي حاتم وياسين النصير وكاتب هذه الدراسة نفسه وغيرهم. فعلى الرغم من إن تاريخ الطبقة الوسطى في العراق ينتمي الى ولادة الدولة العراقية في العام 1921 وانها تدين في نشأتها الى انتشار المدارس النظامية والمعاهد العالية وتطور الصحافة ونمو الجمعيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتحاق المتخرجين بالوظائف العامة ، فضلاً عن استبدال طبقة ( الافندية ) ذات الثقافة العثمانية بشيوخ العشائر ومُلاك الاراضي،(وشبه) الاقطاعيين والتي جاءت ايضاً بفعل عاملين خارجيين وهما: اولاً ، شخصية الملك فيصل الاول وتغير منطق السياسة الدولية بعد الحرب العالمية الاولى والاخر هو ، نجاح الثورة البلشفية في روسيا وتاثيراتها على الشرق والمبادىء الاربعة عشر للرئيس الامريكي نيلسون والتي أعلنها في خطابه أمام الكونغرس في 18 كانون الثاني 1918 والتي ركزت على إعادة بناء السِلم والأمن الدوليين ومن بينها تركيزه على أهمية إعطاء الشعوب غير التركية حق تقرير المصير وتوفير حرية الملاحة ومرور البضائع الى آخره والتي جميعها قد غذت نشوء الطبقة الوسطى التي اتحد بزوغها مع تعاظم التعليم ونشوء البرجوازية الوطنية ( السوق الوطنية ) التجارية والصناعية التي كان مطلبها الأساس هو الاشتراك في السلطة وعدم اقتصاره على أبناء الطبقة الاقطاعية المتمثلة بشيوخ العشائر والشريفين من العسكر وأبناء العائلات الثرية ممن تلقى تعليمه في الاستانة أو الغرب .
وهكذا جاء التحول نحو نظام السوق بسبب تركز الاراضي بيد عدد محدود من شبه الاقطاعيين الاثرياء ليقوموا بتادية وظيفة أخرى هي حفظ النظام ، مما سبب انهيار نظام الاكتفاء الذاتي لجموع الفلاحين بسبب شدة الاستغلال وحصول هجرة واسعة من أرياف العراق الى مدنها وتعرض المجتمع الزراعي الى افتقار بشري شديد ليصبح في مصلحة المدن والعمل في قطاع الخدمات والانصهار بالطبقة الوسطى تدريجياً ، بل العمل على نشأتها . فبإلاضافة الى هرمية الدولة.. فهناك هرمية دينية وهرمية عشائرية وطائفية الى جانب هرمية السلطة والمكانة الاجتماعية . إذ شكل مُلاك الاراضي في بداية الدولة الحديثة ( طبقة بذاتها ) ولكنهم تحولوا في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته الى ( طبقة لذاتها ) واخذت تدعوا لنفسها ازاء ظهور الطبقة الوسطى التي اخذت تنشأ وتنمو وتنشط مع تزايد سكان المدن وارتفاع القانطين في بغداد الى اربع مرات بين العام 1922 وحتى العام 1957 وخصوصاً بعد تحلل نظام العشيرة الاقطاعي وتدفق الريع النفطي الذي اسهم في تفكك الهرمية الريفية ، والتحول نحو اقتصاد السوق التجاري والصناعي واندماج الزراعة تدريجياً بقوة الاسواق المتنامية في المدن والحواضر . كما ان انتشار التعليم والصحة والطرق والمواصلات ساعدت على ولادة قوة اجتماعية جديدة هي الانتلجنسيا او المثقفين التي تطورت لديها عوامل ايديولوجيا كالروح القومية او الارتباط بالشعور الاممي او الديني، فضلاً عن توافر قدرة منظمة في التعبير عن آرائها ، مما ساعد على صعود الطبقة الوسطى وفقدان الطبقة النافذة ( من مُلاك الاراضي والاقطاعيين وغيرهم ) مواقعها لمصلحة الطبقة الوسطى . ومن هذا يُستدل بأن الاهمية الاساسية للطبقة الوسطى ودورها التاريخي يأتي من كونها طبقة انتقالية تلتئم فيها مصالح فئوية او طبقية مختلفة ، وان دورها التاريخي في العراق اكتسب اهمية بسبب غياب الدور الفاعل للطبقتين البورجوازية والطبقة العاملة … فضلاً عن ضعف الفاعلية السياسية للطبقة العمالية الناتج عن مواقعها الاقتصادية الضعيفة بسبب نموها وتطورها في قطاع الخدمات. كما إن اشتراط نمو راس المال البريطاني وتوسعه تطلب توافر دولة بكونها الرافعة السياسية والاجتماعية القادرة على حماية المصالح البريطانية دون اغفال لآليات نمو الطبقة الوسطى التي تلخص بموظفي الدولة من النخب المتعلمة وولوج اجهزتها الفنية والقانونية والعسكرية والادارية والامنية وغيرها .. وكذلك نمو الانتاج السلعي ودور الشغيلة والحرفيين في الاندماج بنظام السوق والانتماء الى الطبقة الوسطى بكونها قاعدة اجتماعية عريضة آزرتها قوى الريف من صغار المُلاك الزراعيين مما يجعل أرياف العراق قوة مضافة الى الطبقة الوسطى وتوسيع قاعدتها .
أن تعدد المصادر الاجتماعية للطبقة الوسطى وتحملها أرث القيم العشائرية والثقافات المتباينة التي ولدتها الحرب الباردة ، أدى الى عجز الطبقة الوسطى عن بناء نفسها في قوة سياسية قائدة تشكل مرجعية موحدة بسبب الانقسام الثقافي الذي زرع بذور تفتتها وانقسامها بين تيارات قومية / دينية وتيارات علمانية / اشتراكية . وعلى الرغم من ذلك ، استطاعت الطبقة الوسطى أن تجتمع على هدف واحد سام هو محاربة تبعية البلاد الى الاحلاف الاستعمارية وانضوت تحت زعامة تنظيم الضباط الاحرار المحكوم بالهيراركية العسكرية والروح الانتقالية الثورية لتفجر الثورة في تموز /1958 وإسقاط الملكية وبناء النظام السياسي الجمهوري. لذا تشكلت الطبقة الوسطى في بنية المجتمع العراقي الحديث المولد للطبقات الاجتماعية الاخرى. فهي بحكم نشوئها المستمر والمتغير جغرافياً واجتماعياً تمتلئ وتنضج عندما تكون واضحة باحتمالات المستقبل … ممهدة لظهور طبقات اجتماعية تتناسب وطبيعة المجتمع المتعدد الاعراف والديانات والقوميات واللغات والجغرافيات والتواريخ. فالطبقة الوسطى تبدو من خلال تاريخها انها جدل المجتمع وحاضنته . فمنها ظهرت الشرائح السياسية والعسكرية والتجارية لاحقاً ليسهم بعضها في قيادة المجتمع العراقي نحو الحروب والتدمير ويسهم بعضها الآخر في البناء والتنمية والتعمير . وافضل نماذجها الوطنية كانت ممثلة في مجتمع ما بعد ثورة تموز 1958 ولمدة لن تتجاوز الخمس سنوات. حيث فرز الصراع نتيجة لظهورها المفاجئ والكبير عن تناقض داخلي في مكوناتها لترتد ثانية الى بنيتها المؤسسة على العقلية العسكرية والدينية والثقافية والعشائرية .

About alzawraapaper

مدير الموقع