يوميات سجين في البيت

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

أنتَ مسكون بالضجيج أينما يممتَ وجهكَ ، في يقظتكَ ومنامكَ ، وأنتَ ممتلئ بالصراخ الحاد منذ اللحظة التي ترفع فيها رأسكَ من وسادتكَ وحتى عودتكَ اليها ، بعدما حكم عليك بالسجن مع الأعمال الشاقة في البيت نتيجة هذا الفايروس اللعين أنتَ تستيقظ على صراخ خطاب سياسي منغولي ، وتنام على دوي الفرقعات الاعلامية التي لا تشبع جائع ولا تستر عريان ولا تبعث الطمأنينة في النفس ، تتناول لقمتكَ على طنين سياسي ركبَ السياسة من ذيلها ، وتأخذ فنجان قهوتكَ على جعجعة أديب لا يميز بين شعر المتنبي وشعر عبود الكرخي ، وتدخن سيجارتكَ على أصوات الباعة وزعيق الأطفال وهم يلعبون منتشرين في الشارع في زمن حظر التجوال ، أنتَ محاصر من كل الجهات ، ففي داخل البيت يخرج ولدك الكبير ليبرهن بصوته الحماسي على انه حفيد الاولياء الصالحين وعليكَ مراعاة حديثه ، فتقول له : صدقتَ يا فتى الفتيان ، وأنتَ تعلم أنّ ولدكَ لا يميز بين رأس النملة ورأس الحمار ، وعندما تدفعه بالتي هي أحسن يخرج ابنكَ الآخر فيتحفكَ بخطاب ناري عن الفلسفة الوجودية باعتباره الوريث الشرعي لرأس جون بول سارتر وعليكَ اداء التحية له وتدفعه بالتي هي أحسن رغم يقينكَ أنه لا يفرّق بين رأس ماركس ورأس زاير خليبص ، وعندما تهرب منهما محاولا التقاط ساعة صفاء بينك وبين نفسكَ تجد المدام أمامكَ وهي تشيد بجودة الرز الباكستاني وعندما تلقي نظرة على الكيس الذي أمامكَ تجده من الرز التايلندي وعليكَ أن توافقها رغم انها لا تعرف كيف تقشر الباذنجان ، وتظل تبحث عن الصفاء في عالم مسكون بالضجيج والصخب والصراخ ، وتحث خطاك من أجل الظفر بساعة واحدة تتناغم فيها مع مشاعركَ وتأملاتكَ ، وتخرج هارباً من البيت تخلصاً من رائعة الديتول الغارق بها أنفك فتصطدم بجارك السياسي المحنك وهو يخبرك بأن الدنيا فانية ولم يبق غير عمل الخير الذي يدفع صاحبه الى الجنة ، وتستعيذ بالله العظيم عندما تعرفه وعلى امتداد مسيرته بانه ماهر في سرقة الدرهم من جيب اليتيم والدينار من يد الأرملة ، وتسمع من الطرف الآخر جارك العجوز وهو يجتر أحداث تاريخية لم أقرأ عنها في كتب التاريخ القديم والحديث .

أينما ذهبتَ يحاصركَ الضجيج ، وتشعر أنكَ بحاجة الى ( فرمتة ) لجهازكَ العصبي كل يوم لكي تستطيع استيعاب ما يحدث ، فالسياسة لعبت بنا ما لعبت ومسخت أحلامنا الوردية الى كوابيس مفزعة وقبيحة ..

ترجع الى الفراش ثانية لعل حلما مفرحا يصلك عن طريق الخطأ ، الا أن شجاراً حاداً بين حامي حمى الليبرالية وبين حفيد تجار الفضيلة وبين صراخ زوجتي راعية الباذنجان يمنعك من النوم .
الى اللقاء .

 

About alzawraapaper

مدير الموقع