وطنٌ يحتضرُ في قلبِ شاعر

د. مختار أمين
(لي في العراقِ حبيبةٌ) مجموعة شعرية صدرت مؤخرا للشاعر مديح الصادق .
باتت البلاد العربية تستعر من جديد في عصرنا الحالي عندما كان أغلبها مستعمرات للغرب في زمن غابر، فالشرق دائما مطمع للغرب، وهو في محاولات مستمرة لفرض السيطرة عليه والمأرب واضح جليّ، وأبناء هذه البلاد هم من يدفعون الثمن، من قتل، وتشريد، ودمار شامل، وتهجير، ومن يصرّ على البقاء في هذه البلاد هم أناس لا حول لهم ولا قوة، يتجرعون يوميا المرارة، والقهر، والذّل، والفقر، وقتل غادر جبان، واعتقال لخيرة الشباب، وأقوى صور للتجريد الإنساني والحطّ من كرامتهم..
أما العراق درّة الأوطان العربية ومجدها، صاحب الحضارة والتاريخ، وأبناؤها دوما يقدمون أجل صورة للإنسان العربي ثقافة، وكرامة، وفخرا، أرضه مسرح المعارك على مدار التاريخ، إن تعافى في حين ابتلى في آخر والأمر مستمر إلى أن يكتب الله النصر في دنيانا ويفرضه على الطامعين المتجبرين..
حما الله أبناء العراق، وعاش حرّا عالي الهامة زينة الأوطان كما سابق عهده..
وإني لأدعو القارئ الحصيف ليتجول معي في بساتين وجنان هذا الديوان لابن من أبناء هذا الوطن العزيز، وهو الأديب البروفيسور مديح الصادق من جنوب العراق أهل العمارة، وبالتحديد من ميسان، وأحب أن أقول بشكل مطلق: «إن الإنسان الجنوبي هو العرق الأصيل لأي بلد في العالم، هو أصل الهويّة، والعادات والسلوك، والطبيعة الفطرية المستقرة الهادئة» فأديبنا ابن أصل، فالدكتور مديح الصادق درس الآداب، أستاذ في اللغة العربية بكل فروعها، من نحو وصرف وبلاغة، وهو محط احترام كل زملائه في الجامعة، وتتلمذ على يديه أجيال عديدة، وكثير من الأصدقاء الذين عشقوا اللغة العربية وآدابها، ومنهم من صاروا أدباء مبدعين، فعرفته رجلا معطاء لا يبخل على الجميع، سخي الكرم، غزير العلم..
فبساتين وجنان هذا الديوان (لي في العراق حبيبة) ثماره قصائد نحتت بيد مثّال متعبّد من ماء نهري دجلة والفرات وطمي أرضه الخصب، التجوال فيه رحاب إلهي، بروح صادقة مؤمنة واعية، تشير إلى عينين لشاعر لمّاح موهوب، يحكي حكاية محبوبته (العراق) في تأدب ورصانة، وكأنه يعرض قضية هذا الوطن على محكمة الإنسانية التي تلوّح بشعارات السلام كل لحظة وحين، لتنال عناية المخلصين منهم، وتروي نبت أرض الأجيال القادمة من أبناء بلده، من بطن أمهات هذا الوطن الحبلى دوما لتلد رجالا مخلصين، يحافظون على هويّته، ويحمون عرضه من المغتصبين..
برقة، وخيال شاعر حالم مبدع متقن نشتمّ رحيق الأصالة من عبق وطن يحتضر، وبطش يد الغدر والخيانة، بروح ومشاعر شاعر أديب عبّر عن حبه وانتمائه لمحبوبته ولبلده بشتى أنواع الكتابة الأدبية، واليوم نحن في حضرة ديوانه الشعري الأول: (لي في العراق حبيبة) بأسلوب رومانسي حر، في تشبيه بلاغي ضمني يكنّى العراق بالمحبوبة في جمالية تشخيصية وأنسنة، يصوّر الوطن على أنه محبوبة يهيم في جمالها، ويبث لها حبه وأثر فتنتها عليه، في قصيدة (صلاة في حضرة الحبيبة) وهو يقول:
«أحببتُكِ فوقَ الحبِّ
وأبهى مما عرِفَ الناسُ وأكبر
قدرَ عدادِ نجومِ الكونِ
وذرَّاتِ الرملِ وأكثر
أنقى من حبِّ ملاكٍ لملاكٍ
من عشقِ الشعراءِ له الحظُّ
الأوفر
نرى الشاعر وهو يسقط مشاعر وهيام حبه لوطنه بعث في بعض قصائد هذا الديوان فجرا منيرا في ليل غدار أسود بهيم، كما نستشعر في قصيدة (حبيبتي ووجهُ الوطن)
أنَّى ولَّيتُ وجهي
فثّمَّ وجهانِ بلا ثالثٍ
حبيبتي التي سرقتْ نومي
وفي محجرَيها كلُّ مكرِ النساءِ
شاحباً مثلما الموتُ في مقلتَيها نائماً
كان وجهُ الوطنْ
وفي المأساة نرى الصوت العالي من خلال الشاعر تعبيرا عن صوت الحق الصارخ في وجه الظالم، في قصيدة «غنِّ …يسقطْ هولاكو»
عن ماذا تبحثُ؟ عن دِين؟
الدِينَ يُصادِرُ هولاكو
شيخُ الدجَّالين
رِيحاً، تخلعُ باباً، تهتكُ سِتراً
مآذِنَ، أجراساً، أعشاشَ طيورٍ،
وبذور …
حرَقُوا الحَرثَ، حصيداً وجذور
زرَعُوا الإيدزَ، داءَ العُقمِ
في هذا الديوان نجد احترافية الشاعر في خلق صور جمالية وإبداعية في كل قصيدة وبين كل مقطع وآخر، نرى الحكمة وفلسفة الأحداث بفكر ووعي وإبداع الموهبة الشعرية، كانت أدواته ثرية في استخدام كل ما تحلى به من جمال بساتين بلاغة اللغة، واختيار ألفاظ ذات دلالات واسعة، واتزان دقيق في الوزن، وموسيقا داخلية على نغم الصور الجمالية تجري أمامنا تنير لنا الطريق لاكتشاف كنوز قصائده مبهرة الروعة والإتقان، تحمسني كناقد أن أقوم بدراسة كاملة عنها لتزيد متعتنا جميعا، ولكني أمطت اللثام عن جزء ضئيل منها في مقدمتي هذه حتى يصدر الديوان حرّا بلا تحيّز، وحتى لا نحدد رؤية القارئ في ديوان مليء بالرؤى والدلالات..

About alzawraapaper

مدير الموقع