وجهة نظر في رواية عمتي زهاوي

أشواق النعيمي
حينَ نوه الاستاذ خضير الزيدي عن روايته عمتي زهاوي (إن الرواية مختلفة عن سابقاتها)، كان محقا. الرواية فكرة وبناء مؤهلة للفوز بأهم الجوائز العربية . قبل الحديث عن الرواية لابد من الإشارة إلى نقطة مهمة تعد واحدة من عوامل نجاح أعمال خضير الزيدي وهي 1ـ تجاوز دائرة المناطقية الضيقة والإبحار في فضاء السرد اللامحدود ، 2ـ التحرر من سجن الذات الغارقة في متاهات مظلومية الماضي على اختلاف أشكالها والتي تقيد المبدع لا إراديا وتشده إلى أعماق بعيدة عن الأفكار الخلاقة المتجددة .
رواية (عمتي زهاوي) في الحقيقة لم تغادر الساحة العراقية، لكنها اختارت أن تدخل من نافذة مبتكرة متعددة الأبعاد عبر بؤرتين مركزيتين: شخصية الحاضرة الغائبة (زها حديد) بوصفها مؤسسة عالمية ذات جذور عراقية ، ومشروع الجنة العراقية السبيل إلى مجادلة أبرز قضايا الواقع الاجتماعي، بل ويذهب أبعد من ذلك حين يشخص في الخاتمة أبرز أسباب الفشل السياسي في العراق .
1ـ أسس المؤلف روايته وفق مبدأ الشك حيث افتتح فصول الرواية بفصل اسماه كلام جرائد اختتمه بتنويه يكشف فيه عن مخطط الرواية، جاء في نهاية التنويه عبارة ( العراق الخيالي ) ، فهل صفة الخيالي تخص المشروع أم الحدث أم هي صفة لواقع العراق ؟ وأنهى الرواية بفصل مشابه يقدم خاتمتين للرواية، الخاتمتان تكشفان عن رؤى مستقبلية تختلف في التفاصيل وتتفق في السوداوية، ليترك القارئ غارقا في بحر الحيرة بعد خيبة الأمل في نهاية لا تتوافق وتوقعاته المرادفة للتسلسل المنطقي للأحداث . لكنه يضع في طريق القارئ إشارات ويترك له حرية اختيار النهاية وفق درجة مداركه وثقافته ورؤيته الموضوعية للأحداث . أين تكمن الحقيقة في النهاية ؟ في مقالة دايفيد إفرام ؟ أم صموئيل جونس ؟
2 ـ اختيار أبواب الجنة التسلسلية ( الأول ، الثاني ، ..) بوصفها العناوين الأربعة الرئيسة ، يطرح سؤالا عن المغزى من تلك التسمية ، أو ما تضمر من معان ودلالات . ولما أربع والمعروف إن أبواب الجنة ثمان . هل هم المنفذون لمشروع الجنة العراقية أعضاء مؤسسة العمة ؟ أم مجرد تسمية أرادها المؤلف أن تنسجم مع اسم ومضمون المشروع محور الحكاية ؟ سيكتشف القارئ إنها أبواب مخادعة وهمية غير نافذة إلى الجنة ، وأن الجنة ليس لها سوى باب واحدة مخصصة فقط للمتنفذين والفاسدين . وستشكل جزءا آخرا من خيبة أمل القارئ
3ـ يسمح المؤلف لشخصياته الرئيسة بالتحدث بضمير الأنا المتكلم في مساحة فصلية مخصصة، بلغة سلسة لا تخلو من التشويق والصراحة والمشاكسة. كل شخصية تتحدث عن إدراك مسبق لموقعها، والشخصية التالية تعلم ما قيل مسبقا عنها . في الجزء المعنون (القبة) المخصص لشخصية ( صبري الكرخي ) المساح الأقدم في مؤسسة العمة ، يحيد صبري عن دور السارد بضمير الأنا المتكلم أو الأنا الشاهد إلى السارد العليم أو مطلق المعرفة حين يتحدث عن ما يعتمل دواخل الشخصيات من أحاسيس وأفكار ونوايا أو مشاهد ماضية كأنه كان حاضرا معهم ، كل ذلك من خلال مراقبته الموقعية الواقعية محدودة المنظور للشخصيات في مكان يفترض إنه مغلق ( كرفان ) ولم يذكر ماهية هذه المراقبة وأدواتها وليس بناء على تصورات أو الخيالات كما نوه في البداية ( أحيانا الفضول يقتلني ولا تكفيني الخيالات فأذهب إلى كرفان حسن لأرى ما يحدث بينهما )
4ـ يحسب للرواية إنها تتحدث عن شخصية واقعية دون أن تسميها ، وتتحدث عن التفاصيل الحياتية والعملية المتعلقة بالشخصية من وجهات نظر سردية مختلفة لا تلتزم بخط أفقي محدد ورتيب ، بل تقدم بانوراما صورية ملونة تضيء في مواضع وتنطفئ في أخرى مخلفة شيء من الدهشة والكثير من الأسئلة التي تومض في خيال المتلقي .

About alzawraapaper

مدير الموقع