وجعا تقادم مذ وَلَجتَ لعالمي..قراءة معرفية في قصيدة (متاهات) من الشعر العمودي من ديوانه (همسات عاشق) للشاعر العراقي إبراهيم الكبيسي

عبد الحسين الشيخ علي
الشاعر العراقي الانباري ( ابراهيم الكبيسي ) شاعر القصيدة العمودية والذي يمتاز بإتقانه للقصيدة ونظمها من ناحية المتن والتفعيلات والميزة الاهم هو انه متعدد الافكار في بناء فكرة القصيدة بمعنى انه يجسد الفكرة كبناء هرمي للوصول الى فكرته وايصالها بإيقاعية واحساس ذات دلالات اخلاقية واشارات حسية عبر اعصاب الابيات الشعرية من خلال تكديس المعنى في البيت الشعري وبما ان وظيفة الشاعر هو أنه يُعبر من خلاله عن مشاعره وعواطفه، وينقلها إلى القارئ باستخدام كلام موزون ومُقفّى، ويحتوي على رموز ودلالات مباشرة وغير مباشرة، وتكون جمالية هذا الكلام أن يكون من عفو الخاطر، ومُصاغاً بشكل جميل، وإبداع خيالي رقيق، ومن خصائص القصيدة العمودية المهمة هي الالتزام بوحدة القافية، فالشاعر مُلزم في قصيدته بأن يُنهي جميع أبياته بالقافية نفسها، وتُعرَّف القافية على أنَّها آخر ساكن إلى أقرب ساكن يليه حرف مفتوح، وتختلف القافية عن الروي الذي هو آخر حرف في البيت الشعري؛ والكثير من القصائد العربية ارتبط اسمها بقافيتها كنونيّة ابن زيدون، ولاميّة الشنفرى، وسينية البحتري المعروفة. ترابط أبيات القصيدة مع بعضها البعض، سواءً في الأفكار، أو المعاني، أو العاطفة، وبالرغم من تعدد الموضوعات فيها، من غزل كما في المقدمة الطللية، ومدح، ورثاء، إلا أنه لا يُفكك الأبيات إنما تتعانق مع بعضها البعض بطريقة سلسة وجميلة. كذلك انتقاء الألفاظ والكلمات بدقة، ومناسبتها مع الغرض الرئيسي فيها وصدق العاطفة، وظهورها من أول القصيدة وحتى نهايتها. تنوع الأساليب البلاغية البديعية فيها، من تشبيه، واستعارة، وكناية، مما يُعطي القصيدة قوة إيحائية، وإبداعية جميلة.
ففي قصيدته المعنونة ( متاهات ) سنبحر مع الشاعر بقراءة معرفية لها حيث نقرا من خلال العنوان ان القصيدة يجب ان تنصهر في عنوانها لنعرف من خلال القصيدة ما هي تلك المتاهات التي ضمنها الشاعر في عنوان القصيدة فعند الدخول الى بدايات القصيدة نجد الشاعر قد كشر عن انياب كلماته محاولة منه لإيصال خطاب الى شخص كان ذو اهمية لديه بعد تواصل وصل حد المنادمة فيظهر الانقلاب في مشاعره باتجاه معاكس بعد طول الالفة (ما عدتَ تشغلني ولستَ مُنادمي ) حيث يبدو من خلال المباشرة بالتعنيف مدى عمق العلاقة التي كانت بينه وبين الشخص المعني لذلك نجده يسترسل بهذا التعنيف والخطاب في الابيات الشعرية الثلاثة الاولى وربما يُظهر لنا بعض الندم المفعم بقوة ردة الفعل لإظهار اللامبالاة بما جرى من صدود . وفي الابيات التالية والتي تبدأ (كم من ليال استفيق بحرقة ) هنا نجده يريد ان يذكره بمشاعره العميقة التي كانت اتجاهه وقد بذل كل ما في وسعه من اجله للخروج من الكثير من الازمات التي كانت تصيبه بقوة وعزم بعفوية وحب عميق حتى يراه مقاسما له في حياته في بحبوحة عيش رغيد , لكنه وجد ان وجوده في عالمه ما هو الم ومواجع وسهر ادى الى كثير من الازمات العاطفية رغم كل العطاء الذي بذله له لذلك تظهر الثورة المضادة والارتداد العاطفي كأنها خيبة عليه ان يواجهها بعزيمة حين يقول (كل الهموم ستنجلي وكأنها مزنٌ وما هدّت صليل ملاحمي ) وهي ردت فعل تخبئ مدى الالم الذي يعانيه من تلك العلاقة وما اصابه من خذلان من الجانب الاخر , لكنه في الابيات الشعرية الاربعة التي تبدأ بـ (أولم تكن في مقلتيِ محصناً؟ وجعلت دونك كل كل مغانمي) يتساءل هنا والسؤال موجه له بل يحمل في طياته عتاب شديد يتضوع فيه الم وحسرة حين يذكره بما كانت حالته وهو معه في حالة انسجام اذ نجده قد بذل كل ما يستطيع من مشاعر وجهد وامان وربما تصل الى حد الانفاق الغير محدود من مشاعر وغيرها من السلوكيات التي تُظهر مدى تعلقه وحبه له والبذل الغير محدود وبكل الاتجاهات , فهو من خلال تلك الابيات يحاول ان يذكره ويعنفه بنفس الوقت وهنا نجد الصورة الشعرية قد تكثفت فيها العديد من المعاني والانزياحات ذات الدلالات الشعورية المختلفة في ان واحد , ويستمر الشاعر بتلك التساؤلات والتذكير بإخلاصه وتفانيه لأجل شخصه المعني حين يكرر كلمة (أنسيت), لكنه في اخر القصيدة نراه قد قرر ان يخرج من تلك المتاهات والعودة مرة اخرى الى تلك العلاقة لما اصابه منها من الم وجراح غيرت لديه الكثير من المفاهيم والظنون الحسنة التي كان يتأملها من الاخر فيقرر حين يقول (ستعود تنشدني وتطلب عودتي) بمعنى انه جزم قطعا انه سيعود اليه نادما لكنه سيرفض تلك العودة مرة اخرى (هذي نهاية من يكون مجانبا درب النوى لا ارتجيك بعالمي)
متاهات //
ماعدتَ تشغلني ولستَ مُنادمي
واليك ما عادت تحن نسائمي
وعليك لا أشكو النجوم أبثها
وجعا تقادم مذ ولجت لعالمي
فبدون فجركَ لن أعيش بظلمة
وسيعتلي نور الصباح قوائمي
كم من ليال استفيق بحرقة
ولأجل آهك كم شددتُ. عزائمي
ورسمتُ من ولهي عليك بأذرعي
لوح الأماني كي تكون مُقاسمي
كل الهموم ستنجلي وكأنها
مزنٌ وما هدّت صليل ملاحمي
أولم تكن في مقلتيِ محصناً؟
وجعلت دونك كل كل مغانمي
أولم تكن في القلب تسكن مفعما
بالحب بالنجوى لأنك عالمي
انسيت اني بعت من أجل اللقا
دنياي حتى ترتقي لمواسمي
انسيت أحلاما لنا أودعتها
في مقلتيِك وكم حفظتَ تمائمي
ستعود تنشدني وتطلب عودتي
وتجول في طرقي تود غنائمي
لكنني هيهات ما عدت الذي
يرجو نداك ولست عنك بنادم
هذي نهاية من يكون مجانبا
درب النوى لا ارتجيك بعالمي

About alzawraapaper

مدير الموقع