هولاكو وآخر خليفة لبغداد

طارق حرب

في آخر لحظات الحياة لآخر خليفة عباسي، وهو المستعصم قبل قتله، إذ لم يقتله حال دخوله بغداد وانما بعد خروجه منها وتعسكره خارج المدينة، فأرسل على الخليفة، وفي هذه اللحظات طلب الخليفة دخول الحمام وذكر بيت شعر:
وأصبحنا لنا دار كجنات وفردوس
وأمسينا بلا دار كأن لم نغن بالامس
ويلاحظ في بيت الشعر هذا ان عباس العزاوي ذكر كلمة (نغن) في كتابه بين احتلالين، ووجدت ان آخر ذكر كلمة (نكن)، وان كان المقصد واحداً وهو الغناء والكينونة السابقة المتبادلة بين هولاكو والخليفة وجدنا ان الرسائل بدأت بينهما قبل عدة أشهر، إذ بدأت برسالة في العاشر من رمضان سنة 1257 من هولاكو لخليفة بغداد يهدده ويؤنبه على عدم مساعدته في حربه مع الاسماعيلية، إذ كتب (كلما استنحدت بك اعتذرت ولم تبعث لنا مدداً مع انك من عائلة قديمة وسلالة نبيلة، أما سمعت بأننا من ظهور جنگيز خان الى يومنا هذا قد أصبنا العالم ما أصبناه بجيشنا)، ثم يذكر هولاكو الدول التي قضى عليها (وألحقنا بالأسرة الخوارزمية والسلجوقية وملوك الديالمة والأتابكية، وغيرهم، ما ألحقنا مع ما كانوا عليه من الكبرياء والعظمة والمقدرة)، وفي استفهام استنكاري يكتب (لم تكن بغداد في يوم مسدودة على هؤلاء الامراء، وانما كانت مفتحة الابواب لهم فكيف تكون مغلقة في وجوهنا وموصدة عنا)، ويكتب (عليم ان تهدم القلاع وتطم الخنادق وتسلم البلدة- ويعني بغداد- والممالك الى أحد أولادي وأن تتوجه لملاقاتنا)، ويكتب مهدداً (إذا جهزت العساكر وغضبت عليك، فاعلم انك لا تنجو مني ولو صعدت الى السماء أو اختفيت في باطن الارض، فلا واق لك)، وكان رد الخليفة هدايا تافهة أرسلها مع موظف صغير، فكتب الى هولاكو جواباً على كتابه (أيها الولد الغر الذي لم يبلغ الحلم أظن انك تريد أن تذهب بحياتك ….. أما تعلم ان أهل المشرق والمغرب ….. يذعنون لي بالطاعة، وإذا أشرت عليهم أن يجمعوا شملهم فعلوا…. وأنت لو تزرع بذر المحبة والسلم في قلبك لما كنت تكلفنا بهدم القلاع وطم الخنادق، والحاصل أدعوك أن ترجع الى خراسان وإلا فأن جيشنا كبير يحجب غبار خيلة ضياء الشمس)، ولما وصل رسول الخليفة الى هولاكو، كتب هولاكو رسالة الى الخليفة (ان حب المال والجاه والمال والغرور قد أثر ببصيرتك بحيث لم تسمع نصائح … فعليك ان تستعد للقتال فأني سائر عليكم بجيوش عدد النمل والجراد).. وأرسل الخليفة وفداً آخر الى هولاكو، وكلفهم أن يقولوا لهولاكو:(اننا مع علمنا ان هولاكو لا يقصد لنا السوظ، ولكنه يسأل الواقفين على الاحوال بأن ما من ملوك وسلاطين قصدوا السلالة العباسية ودار السلام إلا كانت عاقبتهم وخيمة مع ما كان لهم من صلابة وقوة)، وضرب امثلة على ذلك في تاريخ بغداد وكيف ان من اراد بغداد والخلافة العباسية كانت نتيجته الموت، ويختم الخليفة قوله: (لذا كان قصدكم هذا البيت ليس من مصلحتكم، فاعتبر بهذا الزمان الغدار)، وفي يوم 9 صفر 1258 موعد دخول هولاكو الى بغداد، فإنه توجه الى مقر الخليفة، وأشار باحضار الخليفة، وقال له: اننا ضيوف وانت رب المنزل، فإت الينا بما يليق لضيافتنا.. وكان الخليفة يرتجف من الخرف واخرج لهم الثياب والنفائس والجواهر، ثم خاطب الخليفة بأن الاموال الموجودة في سطح الارض ظاهرة، ونريد أن تبين الدفائن، فاعترف الخليفة بوجود حوض من الذهب، ثم أنر هولاكو فوجدوا سبعمائة من النساء والخدم، فقال هولاكو للخليفة: عليك أن تختار مائة منهن.. ولم يبق هولاكو في قصر الخليفة إلا خمسة أيام، إذ ترك بغداد نظراً لعفونة هوائها ونزل في قرية، وبعد ذلك أرسل باستقدام الخليفة، فلما حضر الخليفة مجلس هولاكو أيقن ان لحظات بينه وبين الموت.

هذا ما حصل قبل لحظات من أمر هولاكو بقتل خليفة بغداد المستعصم بالله يوم 14 صفر من عام 656 هـ سنة 1258 م، فبعد أن شاهد الخليفة الذي حكم بغداد منذ عام 640 هـ سنة 1242 م، انه لم يبق له أمل في الحياة بعد وخرج من بغداد لمقابلة زعيم المغول التتار، هولاكو خان، حفيد جنكيز خان، نظراً لعفونة هواء بغداد بسبب القتلى.

About alzawraapaper

مدير الموقع