هواجس.. عن حروب حمقاء..(حزنخانة) أنموذجاً

احمد الباقري
الزوراء / خاص
القسم الاول :
أصدر الشاعر علي مجبل المليفي كتاباً ضمَّ قصائد نثر واربع قصائد موزونة ومقفــاّة ، تحت عنوان (حزنخانة) هذا العنوان يستدعي كلمة ( مسافر خانة) التركية ومعناها مكان المسافر أي الفندق ، و( بنزين خانة ) ومعناها مكان البنزين أي محطة تعبئة البنزين، و( زورخانة) وهي مكان المبارزة والمصارعة اذن يكون معنى ( حزنخانة) مكان الحزن ، وهل هناك في العالم مكان حزن عميق مثل العراق ، لذلك أختار الشاعر علي مجبل هذا العنوان لعمق دلالته.
يبدو الأهداء غريباً نوعاً ما ، فيهدي الشاعر كتابه الى:
دمع العراق النبي ، وآلامه الرسول، الى بلادي التي طينتها الليــالي واغرقها الجفاف، لقد جعل من العراق نبياً وجعل آلامه رسوله ، والبلاد مطيّنة بالليالي ومغرقة بالجفاف.
ان الشاعر علي مجبل هو من الشعراء القابعين في الظل، فلم تلقَ عليه أضواء الشهرة بسبب جريرة نقاد الأدب ، ولو ان في سيرة الشاعر الذاتية المدونة على الغلاف الأخير للكتاب ذكرَ : كتب عنه العديد من النقاد العراقيين، وأنيّ، على الرغم من متابعاتي الدؤوبة لما ينشر من نصوص ادبية ومقالات نقدية ، لم اقرأ شيئاً كتبه النقاد عنه او عن قصائد نثره ، ماعدا الناقد علوان السلمان كتب مقالاً نقدياً عن قصيدة للشاعر علي مجبل نُشر في صحيفة ( طريق الشعب ).
اخشى ان تبني علاقتي الشخصية بالشاعر علي مجبل جداراً عازلاً يحجب عني رؤية الهنات والعيوب التي تعتور قصائد نثره ، على الرغم من اني اظن بأنها قليلة جداً وانها كاملة ، فالكمال لله وحده، وان لا انحاز لقصائد نثره بدافع حبي واحترامي الشديدين لشخصية الشاعر ووفقاً لما قاله الشاعر القديم :
وعين الرضا من كل عيب ٍكليلة ٌ كما
إن عين السخط تبدي المساويا
أي ان رضائي عن قصائد نثره قد يجعل عين رضائي عمياء لاترى كل عيب في ثنايا قصائد نثره ولو ان من الصعب عدم الأنحياز لنصوص شاعر تحبه وتحترمه، ولكنني قررت ان اقرأ قصائد النثر هذه بـ ( عينين موضوعيتين ) وكأنني اقرأ قصائد نثر لشاعر لا اعرفه، وهذا مافعلته اذ ، حاولت قدر الإمكان تجنب الإعجاب بالشاعر والابتعاد عن الحميمية التي تربطني وإياه، وأن اجعل النصوص مقروءة ً بطريقة موضوعية ومحايدة، وأحتكم بها وارجع اليها عند الحكم عليها ترى هل افلحتُ في هذا المسعى ، أمْ ان ثمة حرارة متسربة من هذا الحب افسدت قراءاتي الموضوعية ؟
لكن الذي يحز في نفسي ان اجده مركوناً في زاوية الإهمال، مع العلم أن (الشويعريين) يدعون نقاد الأدب (المرتزقة) الى حفلة شرب، وفي اليوم التالي ( يدبّج ) ذلك الناقد مقالاً نقدياً عن هذا الشويعر ويرفعه الى مصاف حسين مردان او سرجون بولص او صلاح فائق او اودونيس او انسي الحاج او محمد الماغوط ، وينشر ذلك المقال المنافق في احد الصفحات الثقافية في احدى الصحف اليومية ، وعندما تتمعن فيما كتبه ذلك الشويعر تجده هذراً لغوياً وركاماً من الكلمات التي لا معنى لها.
فالرشوة افسدت امور الحياة في العراق وقد تفشت بشكل كبير في معظم دوائر الدولة الرسمية ، والآن ، يمد اخطبوطها اذرعهُ الى الأدب : الى قصائد النثر ومن سلبيات الرشوة انها تحّول الباطل الى حق والحقّ الى باطل وتحول الصحيح الى خطأ والخطأ الى صحيح لا اعرف سبباً يدعو نقاد الأدب الى اهمال شاعر كبير وعملاق مثل علي مجبل ، اعرف انه لا يجيد تسويق ادبه لكن لا يعني ذلك ان يهمله النقاد لاسيما وأنه نشَرَ العديد من قصائد نثره في الصحف والمجلات العراقية اود ان انبه الى هذه ( المعضلة الأدبية ) وان نقف امامها ونبحث لها عن حل ، واعتقد ان الحل ّ بأيدي النقاد الجادين فاني التمسهم ان يقرأوا قصائد النثر هذه ، وإني متأكد بأنهم سيجدون ضالتهم وسيجدون ما يستحق الكتابة عنه ومن ادعو النقاد الجادين الشرفاء الى قراءة قصائد نثر الشاعر علي مجبل وأن يرفعوا الغبن عنه والذي لحق به بدون مبرر ادبي .
تبدو الحربُ المهيمن َ الأكبر والأهم على اجواء قصائد النثر هذه ونجد المصطلحات العسكرية مبثوثة بكثرة في ثناياها مثل (مشجب) وهو مشجب الأسلحة الوارد ذكره في قصيدة ( احجار المدن العاصية ) و ( البندقية التي سحبت اقسامها) و( ارضك منزوعة المسرات ) التي توحي بأرضك منزوعة السلاح و( هي تبدل الشبابيك بالمزاغل) والمزاغل هي فتحات في جدار او في جبل تستخدم للرمي من قبل الجيش ، و( المراقب) في قصيدة ( دمعة) و( رقيم الخسارات ) في القصيدة ذاتها ، و ( السواتر ) في القصيدة نفسها ، و( التحاق) وهو التحاق الجندي بوحدته العسكرية بعد الإجازة و ( كُنيتك ) والكنية هي السيرة الذاتية للعسكريين و( السرفات) وهي سرفات الدبابات و( ساحة العرضات ) في قصيدة ( كان هو) و (العريف) في القصيدة نفسها ، و(عادة سر وعادة قف، وهي اوامر عسكرية في القصيدة نفسها ) والعتاد هو عسكري ، و (الصاعدون الى فيلق الأنين) / في قصيدة (نوافذ قبرية) و(أريد ان ابحث عن طريق ( نيسمي ) في (اغنية الحرب) في قصيدة حزنخانة.
بعد تجربتي الأدبية الطويلة وقراءاتي الشعرية الغزيرة توصلت الى قناعة ٍ مفادها : ( اعذب الشعر اصدقه ، وليس اكذبه كما هو شائع ) وأن الشعر الجيد هو الشعر الصعب العسير على الفهم ، هذا ماوجدته في شعر سان جون بيرس وأدونيس.
فشعرهما صعب ومعقد يعكس تجاربهما الكبيرة في الحياة ، وقد يجد القارئ العادي صعوبة في فهم نصوص علي مجبل ، وذلك لتعقيد تجربته الحياتية.
اظن ان الشاعر علي مجبل يستغرق زمنا طويلاً في كتابة نصوصه الشعرية وقد تمتد الى شهور ، كما سرني الشاعر علي مجبل قائلاً بأنه يقضي زمناً طويلاً حين يكتب.
والمفارقة ، اننا عندما نقرأ قصائد نثره نجد ان كل قصيدة مكتوبة وكأنها كتبت دفعة واحدة ولا توجد فيها ثغرات او فجوات او انقطاعات بل تبدو مسبوكة كسبيكة ذهب ثمينة وأظن ان الشاعر علي مجبل يراجع نصه الشعري بعد ان يفرغ من كتابته ، فيقوم بتشذيبه كفلاح محترف، ويرفع الزوائد منه ، يضيف اليه ما ينقصه من جمل شعرية قبل ان يدفعه للنشر.
انه يقتفي خطى الشاعر الفرنسي رينيه شار ويعمل بنصيحته بدون ان يعلم بذلك حسب ظني ، اذ كتب رينيه شار : ( لا تكن عجولاً في الكتابة ، فالحياة طويلة، وفيها الكثير من الحواجز والسدود ).
والظاهرة المهمة التي وجدتها في قصائد النثر هذه هي ظاهرة (نحت الكلمات) فيعمد الشاعر علي مجبل الى (نحت كلمات لا نجدها في القواميس او في قصائد نثر اخرى ، وذلك للتعبير عن هواجسه عن تلك الحروب الحمقاء التي زج بها وكما قال النفّري : ( اذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة ) لذلك عمد الشاعر علي مجبل الى نحت كلمات تعبر عن المعنى المقصود).
ومنها (يرتكب الضمور) في قصيدة ( سيرة دمعة) والفعل(يرتكب) يستعمل مع يرتكب الخطأ او يرتكب الجريمة لكن الشاعر غير معناها حين اردف وراءها (الضمور) والذي يوحي بأنه شبيه بالخطأ او بالجريمة
و(ياهذا إلامَ البلاد تزحف معصوبة النشيد؟) في قصيدة ( دعه يمضي بوحده ) و ( ثمة اوطان تنبحها الليالي ) في قصيدة (كان هو) و (يخبزها الرصاص) في القصيدة ذاتها و ( قببّوا الليل بالأنين ) اذ اشتق الفعل ( قببوا) من قبة في القصيدة ذاتها ونجد السخرية في ( ان تمنح الدخان نوط الوضوح ) في قصيدة ( عندما تمطر الأوطان في كأسه ) وفيها سخرية من( نوط الشجاعة) والذي كان يعلق على صدور العسكريين الذين قاموا بأعمال بطولية.

About alzawraapaper

مدير الموقع