هل ينهار الدولار بسبب ترامب؟

د. لويس حبيقة

ما يجري في الولايات المتحدة محزن، بل مبكٍ في دولة عرفت الديمقراطية منذ قرون، ومارستها بجدارة ووعي بالرغم من كل الصعوبات. وجمعت بين الحريات والقوة في الاقتصاد، والعسكر، والعلوم، وغيرها. وسنعود فقط إلى الماضي القريب ونتذكر كيف «آل جور» اعترف بالخسارة أمام جورج بوش، في وقت كان من الممكن للفرز أن يحمله إلى البيت الأبيض. قال وقتها إنه خسر، أو عملياً ينسحب لأن أمريكا أهم بكثير ممن يربح، أو يخسر. وعندما أعطت الإحصاءات فوز ترامب منذ 4 سنوات، اعترفت كلينتون في اليوم نفسه بالخسارة الأولية، وأعادت رسمياً اعترافها في اليوم التالي أمام الشعب، والمؤسسات، والعالم. من تابع وعاش في الولايات المتحدة لا يمكنه إلا أن يحزن على ما آلت إليه الأمور ليس بسبب السياسات الداخلية، والخارجية، بل خاصة بسبب ما آلت إليه القطاعات الاقتصادية والاجتماعية كما في كل العلوم، والآداب.
الدولار قوي في الأسواق النقدية العالمية. الدولار قوي منذ زمن بعيد، ولا نقصد هنا قيمة سعر الصرف مرتفعة، أو منخفضة، بل نقصد أن النقد الأمريكي جاذب للمواطن، والشركة، منذ عقود، أقله منذ الحرب العالمية الثانية، واتفاقية «بروتون وودز». الدولار جاذب منذ ذلك الحين للأفراد، والشركات في الداخل الأمريكي، وخارجه. واعتقد العالم أن اليورو الذي أسس في سنة 1999 سيكون المنافس الأساسي الكبير، بل البديل للدولار، لكن هذا لم يتحقق بسبب الأوضاع في أوروبا، وغياب السياسات المالية المشتركة الفاضلة ضمن الوحدة الأوروبية. هنالك من يعتقد أن «اليوان» سيكون البديل، لكن الصين ليست مؤهلة اليوم للمنافسة لأسباب قانونية، وتشريعية، ومالية للمنافسة الجدية ضد الدولار.
ما هي أسباب قوة الدولار عبر الزمن، والتاريخ؟ لا شك في أن مرونة العملية السياسية، أي الانتقال الهادئ في السلطة، أو السلطات بين الخاسر والفائز، أو بين الذي انتهت ولايته والقادم إلى السلطة، هو سبب مهم مطمئن. وقوة الدولار من قوة المؤسسات الأمريكية الفاعلة بسهولة، والمتمتعة، في الوقت نفسه، بالحيوية التي لا مثيل لها. وقوة الدولار تنبع من رغبة المستثمرين العالميين في شراء العقارات، والأصول، والأسهم، وسندات الخزينة الأمريكية وغيرها، والتي توحي جميعها بالثقة في كل الأوقات، والظروف. وما زالت هذه الأصول هي المفضلة عالمياً مقارنة في جميع الدول، بما فيها دول أوروبا، والصين، واليابان.
ما يدعو للعجب انه بعد أزمة 2008 أي «الركود الكبير» اعتقد العالم أجمع أن الدولار سينهار، ولم يحصل ذلك، لأن المؤسسات بقيت قوية، وتوحي بالثقة. وبعد الأزمة ارتفع سعر صرف الدولار لأن الطلب عليه بقي قوياً، وتدفقت رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة، بل لم تخرج منها كما كان متوقعاً. وهنالك دول مهمة، كاليابان، ولمنع عملتها من الصعود في الأسواق لسبب التصدير اشترت دولارات، وباعت الين، ما سبب ارتفاعاً في سعر الدولار عالمياً. وبعض الدول الأخرى في أوروبا، وخارجها، فعلت الشيء نفسه، أي اشترت الدولار لمنع ارتفاع عملاتها، وضرب صادراتها. وفي الأزمات تبين للعالم أجمع، أن المستثمرين يلجأون إلى الأصول الآمنة، وهذا هو دور الدولار، والأصول المحررة به.
تعاني الولايات المتحدة عجزاً كبيراً في ميزان الحساب الجاري، ما يعني أنها تحتاج للاقتراض من الخارج لتمويل استهلاكها، واستثماراتها. ونظرياً، إذا لم تخفض الولايات المتحدة هذا العجز، لا بد للدولار من أن ينهار في الأسواق، وهذا ما لم يحصل لغياب المنافسة الجدية له. والأزمة الأوروبية كبيرة ولا حلول قريبة لها مع «البريكست»، وقبله. وتعاني اليابان مشكلة ديموغرافية جدية لا تريد حلها عبر استيراد العمالة. أما الصين فما زالت غير راغبة، بل غير جاهزة للمنافسة. والدولار يبقى النقد الآمن بالرغم من كل شيء.
وفي المؤشرات الأخرى، أي نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي، نرى أنها تغيرت من 52% في سنة 1960 إلى 35% في 1980 إلى 56% في سنة 2000، وإلى 128% اليوم. ويبلغ عجز الميزان التجاري 855 مليار دولار. أما نمو الاقتصاد الأمريكي فهو سلبي لهذه السنة أي انخفاض 8% تبعاً لصندوق النقد الدولي. ونتائج الكورونا على الشعب تدعو للحزن والأسى لعدد الإصابات، والأموات التي سببتها. كل ما سبق يشير إلى تعثر الدولار، وانهياره، لكن مجدداً لم يحصل هذا حتى الآن.
الثقة بالدولار لا تعود فقط إلى العوامل النقدية، والمالية، والاقتصادية. بل تعود الثقة خاصة إلى المؤسسات والقوانين التي تقوم عليها الولايات المتحدة، وهذا ما يمكن أن يدمره ترامب بتصرفاته الحالية خلال الأسابيع القادمة، وبعدها. وعدم اعترافه بالخسارة، بالرغم من كل النتائج ولغياب التزوير كما أشارت إليه إدارته نفسها، سيضعف الثقة بالاقتصاد الأمريكي، ويسبب انهياراً للدولار، كما لم يحصل سابقاً. ويتكلم الأمريكيون دائماً عن حكم القانون الذي هو فوق الإنسان، حتى فوق رئيس الدولة. يتكلمون عن الحريات والقدرة على النجاح في الأسواق كما القدرة على الاندماج السريع في المجتمع. ولأول مرة هنالك خطر، وربما البعض يسميه فرصة لسقوط الدولار عن عرش النقد العالمي، للأسباب الأربعة مجتمعة:
أولاً: الشلل السياسي الحاصل الذي لن ينتهي حتى بعد اعتراف ترامب بالخسارة. كما أن سوء معالجة وباء كورونا سيبقى في ذاكرة العالم والأمريكيين لعقود قادمة.
ثانياً: الانقسام السياسي الخطير على الأمور المهمة، وليس على التفاصيل، كما كان يحصل سابقاً. وتنقسم الولايات المتحدة عمودياً مع ترامب، وضده، والأفكار المتداولة من مؤامرات على أيريكا هي جديدة، وتعيد إلى الواجهة الشعور العنصري، والجنسي، والمناطقي، ومنابع الأصول البشرية، وكلها في غاية الخطورة، وتنذر بالأسوأ. كيف يمكن للولايات المتحدة أن تشجع الدول النامية والناشئة على الديمقراطية وتبادل السلطات والمراكز عندما لا تمارسها هي بنفسها؟
ثالثاً: الأوضاع الأمريكية الحالية تعطي فرصاً كبيرة للمنافسات النائمة التي ستتأهل جدياً لمحاربة الدولار.
رابعاً: السياسات التي مورست في السنوات الأربع الماضية ضربت الولايات المتحدة كنموذج عالمي للانفتاح، والنمو، وقبول الآخر. طبعاً ليس هنالك إجماع حول هذا الموضوع، إنما تكمن المشكلة أحياناً في أن العديد من الخبراء والسياسيين ينتقدون أموراً معينة من دون دراستها بشكل وعمق كافيين. من المفضل للمرء أن يعيش وضع معين قبل تقييمه.
ماذا تعني عملياً هذه التوقعات للمستثمرين؟ الهروب من الدولار واللجوء إلى العملات الأخرى؟ النصيحة الأكيدة هو تنويع النقد والأصول، وعدم التركيز على الدولار. فالعالم متقلب، وأي نقد فردي لن يكون آمناً، وبالتالي تنويع المحفظة الاستثمارية ضروري.

About alzawraapaper

مدير الموقع