هل يتجه العراق إلى انتخابات مبكرة؟

محمود الريماوي

يزدادُ ارتباط الوضع السياسي بالوضع الأمني في العراق، وبما أن حبل الأمن ما زال مضطرباً، فإن تعقيدات الوضع السياسي لا تفارق المشهد، مع إضافة بالغة الأهمية تمثل بصيص أمل، وهي كون رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي عازماً على استعادة الدولة، وبسط سيادة القانون، ويتعزز هذا الأمل بالتفاهم القائم بين رئيس السلطة التنفيذية، ورئيس الجمهورية برهم صالح.
في جديد التطورات الأمنية عودة تنظيم «داعش» لممارسة أنشطته الإرهابية المتفرقة، لكن المؤذية للمؤسسة العسكرية. وفي الأسبوع الماضي، نالت يد الإجرام «الداعشي» آمر لواء، هو العميد علي غيدان، في منطقة الطارمية، ببغداد، ولم تمض أيام حتى استهدف التنظيم الإرهابي آمر اللواء العميد أحمد اللامي، وضابطاً آخر برتبة ملازم، في قضاء هيت بمحافظة الأنبار، غربي العراق.. وقد لوحظ أن المجرمين كانوا يرتدون زياً عسكرياً نظامياً. ويعتمد التنظيم على بث أسلوب الرعب وسط الأهالي لمنعهم من تقديم أية معلومات يحوزونها عن تحركات التنظيم. ما يملي تعزيز القدرات الاستخبارية العسكرية وتطوير أدائها، وطمأنة الأهالي من أجل قطع الطريق على أي اختراق إرهابي للجيش، خاصة أن «داعش» يعتمد أسلوب تغيير تكتيكاته، واستهدافاته، ويتجنب مواجهات ثابتة للحؤول دون كشف تموضعاته.
في هذه الأثناء، كانت الحكومة العراقية، وأجهزة الأمن منشغلة بالتصعيد القائم ضد المحتجين واستهدافهم من أطراف تتسلل اليهم، أو تتسرب إلى الأجهزة الرسمية، وهذا فحوى تصريحات وزير الداخلية العراقي، عثمان الغانمي، الذي كشف مؤخراً، عن اعتقال منتسبين لأجهزة الأمن بتهمة استهداف المحتجين، ومن غير أوامر يتلقونها من رؤسائهم. بل وباستخدام أسلحة غير تلك التي يستخدمها منتسبو الأجهزة الأمنية، مثل بنادق الصيد. وقد تبين أن ضابطين، ومنتسباً، أقدموا بصورة شخصية، على قتل متظاهرين، وهي من المرات النادرة التي يتم فيها الكشف عن اختراقات من هذا النوع للأجهزة الأمنية. وكانت الحكومة العراقية تعهدت، غير مرة، بالاقتصاص من قتلة المحتجين، ووضعهم بين أيدي العدالة.
هكذا تبدو التحديات الأمنية مزدوجة، بل لعلها متعددة الأوجه، فالأنشطة الإرهابية والإجرامية تتكامل موضوعياً في عرقلة مشروع إحياء الدولة العراقية، وتطوير مؤسساتها، وبسط سيطرتها على أنحاء البلاد. كما ترمي مثل هذه الأنشطة إلى إحداث فجوة بين السلطة التنفيذية، وبين المحتجين الذين ينادون بإصلاحات شاملة للخدمات الأساسية، ولعموم الأداء الحكومي، وصيانة القرار الوطني المستقل بعيداً عن التدخلات الخارجية، والإرادات الأجنبية. وقد لوحظ أن موجة الاحتجاجات تجددت في الآونة الأخيرة، فيما تجددت معها تعهدات حكومة الكاظمي بتلبية المطالب الشعبية، حتى أن الكاظمي قام بنفسه بزيارة إلى سجن التحقيق المركزي، يوم الأربعاء الماضي، للتأكد من خلوه من معتقلين من بين المحتجين، أو من بين أصحاب الرأي.
أما عن تأثير، أو انعكاس الوضع الأمني على السياسي، فقد تردد على نطاق واسع أن الكاظمي ماضٍ في خياره بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وهو مطلب أساسي للمحتجين، كما لقوى سياسية واجتماعية واسعة. على أن هذا التوجه يصطدم ببقاء قانون الانتخاب حبيس أدراج مجلس النواب، فيما تتطلع الحكومة إلى إجراء انتخابات جديدة وفق قانون جديد، يعكس تطلعات العراقيين في إحلال الأمن، والرفع من شأن دولة القانون، ومباشرة تنمية شاملة، وضبط السلاح غير الرسمي. وأمام هذا التعطيل الذي يبدو متعمداً من قبل ممثلي قوى الأمر الواقع في البرلمان، فإن رئيس الحكومة قد يجد نفسه مضطراً لإجراء الانتخابات وفق القانون السابق، وتعديلاته، قبل نهاية العام الجاري، من اجل الخروج بمجلس نيابي أكثر تمثيلاً للأغلبية العراقية الصامتة، وبعيداً عن الواقع القائم الذي يشهد تقاسماً للنفوذ بين قوى بعينها.
يحدث مثل هذا الحراك على نار هادئة، ولكن في أجواء الصيف العراقي اللاهب، ومع الانتشار المؤلم لوباء «كورونا»، ما يزيد من معاناة العراقيين، وفي الوقت ذاته من لهفتهم إلى العودة إلى حياة طبيعية، آمنة، ومزدهرة، يسودها حكم القانون، ويتم فيها الفصل بين السلطات، وتوضع فيها ثروات بلد الرشيد في خدمة مشاريع التنمية، وتطوير الخدمات، وليس في جيوب الفاسدين.

About alzawraapaper

مدير الموقع