هجاء بغداد من مفتيها وشاعرها عبد الغني آل جميل

أسرة آل جميل من الأسر البغدادية التراثية، وكان لهذه العائلة دور كبير في بغداد في القرن التاسع عشر والقرن العشرين وحتى بداية ستينات القرن العشرين، ومن مشاهير هذه العائلة الشاعر حافظ جميل الذي طالما فغر أفواهنا بشعره في المجالس الخاصة، ومن هذه العائلة نقيب المحامين والوزير في العهد الملكي والحمهوري، حسين جميل، كاتب أول دستور جمهوري من 31 مادة، وكانت للعائلة مجالس بغدادية كثيرة.. ومن هذه العائلة مفتي بغداد وشاعرها في النصف الاول من القرن التاسع عشر، عبد الغني جميل، صاحب شعر الهجاء المعروف في بغداد، وادارتها العثمانية، العالم المتضلع والشاعر المجيد والفقيه الاصولي. المولود ببغداد سنة 1780 ودرس فيها على يد علمائها وشيوخها، منهم محمد اسعد الحيدري ودرس الخط على يد خطاط بغداد المشهور سفيان الوهبي، وله علاقات مع علماء بغداد الاخرين، منهم الآلوسي والواعظ والعمري، وقيل في مدحه الشيء الكثير، وقد تولى الافتاء ببغداد سنة 1831 في عهد الوالي العثماني رضا باشا اللاز، ومع ذلك فأنه لم يسكت على ظلم رجال هذا الوالي، فبدأ بثورته عليهم سنة 1832، وبسبب العنف في جمع الضرائب والاموال وارسالها الى الاستانه واهمال المرافق ببغداد والجهل والفقر وانعدام الامن والحصار الثقافي والصحي، حتى انه تزعم تظاهرة في تلك السنه، خرجت من محلة قنبر علي، حيث حصلت معركة مع عسكر الوالي، وتم قصف محلة قنبر علي، حيث تم حرق مكتبته الثمينة وكان السبب المباشر هو ان ارملة رضوان أغا، أحد المماليك زمن داود باشا، قد استجارت به، لكن جلاوزة الوالي عذبوها وسرقوا ما عندها من أموال، وانتقل ذلك لشعره، حيث يذكر حقيقة بغداد تحت حكم الاتراك وسياستهم التعسفية، فراح يرثي مجدها الضائع، فيقول: لهفي على بغداد من بلدة … قد عشعش العز بها ثم طار … كانت عروساً مثل شمس الضحى … لمستعير حليها لا يعار … كان لها للنفس ما تشتهي.. كجنة الخلد ودار القرار … لكن تغيرت ببغداد الموازين، فحكامها قربوا اليهم اشرار القوم، فيقول:
حل بها قوم وهم في عمى … ما ميزوا اشرارهم والخيار
بارت بها أسنى تجاراتها … وهكذا عادة دار البوار
ويقول:
وباع بفلس كل خل خليله … وعاد الكريم الحر يسترفد القنا
ويقول:
وكل رفيع بها ضائع … وكل وضيع بها محترم
والصورة الآتية تجسد هوان بغداد وخلوها إلا من الجهلة والظلمة:
بغداد كم أنكرتنا بعد معرفة … فلا سقاها الحيا صوباً من المطر
والكرخ أقوى وقد جفت مشارعه … وصار مأوى رعاة الشاة والبقر
وهذا مادعاه الى ترك بغداد لان كل ما فيها يزداد سوء، واهلها استطعموا الخضوع، فهانت عليهم عزتهم، إذ خذلوه في دعوته للثورة على العثمانيين، لذلك انبرى آل جميل يهاجم بغداد ويبشرها بالفناء ويفكر بالرحيل عنها، فيقول:
علام العلام الاقامة في بلدة … نعد بها مثل حمر النعم
فهلا رحلنا الى غيرها … لنحظى بعز وعيش أتم
فلا بارك الله في بلدة … تعد الاسود بها كالنعم
ويفتقد في بغداد رجالها الذين ازدهرت بهم حين يراها تحولت الى مأوى للحبناء وموطن للجهل، فيدعو لها بالجفاف، فيقول:
بغداد كم أنكرتنا بعد معرفة
فلا سقاها الحيا صوباً من المطر
ووصل به الحال الى اعتباره بغداد مكاناً لمن يرضى الذل والهوان، فيقول:
دع الزوراء ان رمت المعالي
وسر عنها تجد عنها بديلا … فإن الحر لا يرضى بأرض
يرى فيها مهاناً أو ذليلا
ويكمل:
وما بالنا في بلدة لا نرى بها … لحر إذا جر الزمان مجيبا
فيا ويح حر يرتضي الذل موطنا … ويبصر منها للكريم رحيبا

About alzawraapaper

مدير الموقع