نينا بتروفنا: الأحلام المستحيلة لشاعر هائم

 

د. جودت هوشيار
حسب الشيخ جعفر ، شاعر مبدع ، وربما أهم شاعر عراقي ، بعد الجيل المؤسس للشعر الحر أو بتعبير أدق ، شعر التفعيلة (بدر السياب ، عبدالوهاب البياتي ، بلند الحيدري ، نازك الملائكة )، ويتميز عنهم بتناول موضوعة الجنس، باعتبارها اعلى (قيمة) في الحياة ، والخمر وسيلة لاستعادة الذكريات الحميمة لألوان من الجنس ، كفعل غريزي ، لا يرتبط بأي مشاعر رومانسية أو قيم روحية . ولو حذفنا ثنائية الجنس والخمر من شعر حسب ، لما بقي منه شيء سوى ذكريات الطفولة في العمارة ووصف الطبيعة فيها . ورغم أنني مدمن على قراءة قصائده الجميلة ، الا أنني لا أتذكر له أية قصائد أخرى – بعد عودته من موسكو – تعبر عن الواقع العراقي ، كما لا تعكس حياته الحقيقية في روسيا ، أو أي جانب من جوانب الحياة الروسية الطافحة بالنشاط الثقافي بشتى ألوانه وأشكاله .
كنا مع حسب ضمن عدد كبير من طلبة البعثات ، الذين أوفدتهم حكومة ثورة 14 تموز للدراسة في الاتحاد السوفيتي ابتداءً من اكتوبر عام 1959 . درسنا في السنة الأولي في الكلية التحضيرية لجامعة موسكو ، ثم تفرقت بنا السبل، حيث توزعنا على الجامعات والمعاهد في أكثر من مدينة ، ولكن اغلبنا كان في موسكو ولينينغراد ( بطرسبورغ حالياً) . كان حسب طالباً خجولا ومنزوياً ، ولا أعرف كيف صادق– كما يذكر في قصائده ومذكراته ورواياته، عشرات الحسناوات الروسيات ، وهو الذي كان يغض الطرف عن الجنس اللطيف حياءً وخجلاً ؟
مذكرات حسب الصادرة في بغداد عام 1986 تحت عنوان «رماد الدرويش» مكرسة بأسرها لعلاقاته الحميمة بعدد كبير من الفتيات والنساء الروسيات . ويخيل للقارئ انه يقرأ يوميات دون جوان أسمر ، تسعى حسناوات موسكو اليه طوعا لوسامته الفائقة وسحره الجذاب الذي لا يقاوم. نظرة خاطفة منه كافية لاستسلام أي ( طريدة ) كانت وهي علاقات من صنع الخيال ، وأشبه بأحلام اليقظة . ولا تمت للواقع الروسي ، الا بأوهى الصلات .
ولكن كتاب «رماد الدرويش» يظل عملاً ممتعاً بفضل لغة حسب الشاعرية الرائعة
أما رواية «نينا بتروفنا – من أيقظ الحسناء النائمة» الصادرة في بغداد عام 2014 فهي نسخة محورة من «رماد الدرويش» ومحاولة في كتابة رواية طويلة ، اقتداءً بالشعراء الروس (بوشكين، ليرمنتوف، باسترناك، مارينغوف) الذين كانوا شعراء وروائيين في آن واحد.
حسب يتخفى في هذه الرواية وراء الراوي – وهو عراقي مقيم في موسكو، يعمل مترجما في احدى دور النشر السوفيتية . ويلجأ حسب الى حيلة فنية، وهي العثور على مخطوطة لشخص آخر. يقول حسب في مفتتح الرواية: «هذه يوميات أو مذكرات حقيقية كتبها في موسكو قلم لا أعرفه ، وهي تعود الى أواخر الستينات من القرن العشرين ، وقد أعدت كتابتها موسّعا مستفيضاً حتى أضحت رواية يمكنني القول إنني كاتبها الآخر . وسيعرف القارئ كيف وجدت سبيلها إليّ». هذه الديباجة أصبحت كليشة مستهلكة من كثرة ورودها في استهلال عدد كبير من الروايات الأجنبية والعربية.
البناء الفني لرواية «نينا بتروفنا»
دعنا نرى كيف عالج حسب موضوعه ، وهل استطاع ان يحوّل تلك اليوميات أو المذكرات الى عمل روائي ؟.
في (كافتريا) احدى الصحف الموسكوبية، جلس الرواي مع صديق له الى مائدة يجلس اليها شاب ثالث لا يعرفه ولم يلتق به في حياته . وعلى حين غرة يدعوه هذا الشاب ، الى حفلة عائلية يقيمها احتفاءً بعيد ميلاد زوجته في شقتهما . واذا عرفنا مدى حذر الروس، وخاصة في الحقبة السوفيتية من الأجانب. فإن هذه الدعوة المفاجئة لأجنبي الى حفلة عائلية خاصة ، تبدو في غاية الغرابة .
بطلة الرواية (ناديا) زوجة صحفي روسي صديق للراوي (المترجم العراقي) وتتمنى ان يتزوجها، وفي الوقت نفسه تشجعه على اقامة علاقة حميمة مع أمها ، والأم بدورها تدفع ابنتها الى احضان الراوي . صحيح ان الرواية مزج بين الخيال والواقع ، ولكن الخيال المقنع هو ما يمكن أن يحدث في الواقع. وسلوك ناديا وامها ، لا ينسجم مع طبيعة المرأة أبدا ، خاصة اذا عرفنا ان البنت موظفة والأم طبيبة محترمة ..
الرواية غير مقسمة الى فصول ، بل تتألف من نص واحد متصل وطويل جداً ، على مدى 394 صفحة ، تتضمن يوميات لا تختلف الا في بعض تفاصيلها مثل زمان ومكان الحدث . يوميات متماثلة. لقاءات مع ناديا او امها في شقة الراوي ، أو في شقة بطلة الرواية ( ناديا ) او شقة امها .
الصحفي اندريه زوج نادية تطلب من الراوي أن يصطحب زوجته الى السينما أو المسرح ، واحيانا حين يدعو المترجم ناديا وزوجها الى شقته ، يتأخر الصحفي عمدا ، وهو يعرف أن زوجته في أحضان الراوي . وليت المؤلف اكتفى بوصف العلاقات المتشابكة بينه وبين اندريه وناديا وامها ، فسريره لا يخلو من امرأة فاتنة في كل ليلة. فهو يقيم علاقات حميمة كثيرة عابرة ، يبدأ كل لقاء بالأكل واحتساء أفخر أنواع الفودكا او الويسكي او النبيذ المعتق ، وينتهي في السرير .
«نينا بتروفنا» رواية تفتقر الى عمق الرؤية الفنية ، وبراعة البناء الفني، فهي تجمع بين عدد كبير من الشخصيات – النسائية غالباً – على نحو لا يعطي كل شخصية حقها في النماء. السرد ينزلق على السطح من دون أي محاولة جادة للغوص في اعماق الشخصيات الاساسية.
وقد أقحم المؤلف في الرواية مناقشات أدبية وأقوالا لكبار الكتاب والشعراء، لا تتناغم مع نسيج الرواية . وهو يطلق على تولستوي لقب كونت حينا ، واقطاعي حينا آخر . ولكن تولستوي لم يكن اقطاعيا ، بل وزع الأرض التي ورثها على فلاحيه ، ولم يكن يمتلك سوى ضيعة «ياسنايا بوليانا»، وقد اضطر في شبابه الى بيع بيته ، حين اراد اصدار مجلة . اما دوستويفسكي فيسميه المؤلف بالمصروع . اراد المؤلف ان يكون ساخراً ولكن السخرية بعيدة عن موهبة حسب . واطلاق نعوت من قبيل الإقطاعي والمصروع في غير محلها. كان تشيخوف يقول: «اذا كانت في القصة ثمة بندقية معلقة على الجدار، فلا بد أن تطلق النار لاحقاً». بمعنى أن لكل تفصيل في الرواية وظيفة فنية وتشكل جزءاً من النسيج العام للرواية . ما علاقة الكونت أو الاقطاعي أو المصروع بالمغامرات النسائية لمترجم عراقي ؟
تنتهي الرواية بموت الراوي في حادث مروري كما في الأفلام الميلودرامية. وكتب حسب خاتمة للرواية تحت عنوان «إضافتي» يقول فيها: «مات الفتى – يقصد الراوي – في حادث اصطدام مروع، وكان مسرعا بسيارته الى لقاء نينا بتروفنا وكانت ناديا معه في السيارة وقد ماتت قبله بساعتين . هذا ما اخبرتني به نينا بتروفنا نفسها وقد التقيتها مصادفة في بارك غوركي بعد الحادث بثلاثة ايام ، وهي التي اعطتني هذه المذكرات ، وقد تركها الفتى عندها قبل الحادث بيوم واحد وقد احتفظت بها طويلا قبل ان اعيد كتابتها».
لاحظ ايها القارئ المصادفات المتلاحقة في هذه الاضافة ولا أطيل على القارئ.
فالرواية من الفها الى يائها مفاجآت غير مقنعة من هذا النوع ، يصعب تصديقها.
شطحات خيال جامح
يقول الراوي إنه كان يعمل مترجما في إحدى دور النشر السوفيتية ويمتلك شقة خاصة به وسيارة ، ويشتري الهدايا الثمينة بالعملة الصعبة لعشيقاته من مخزن «بيريوسكا» المخصصة للأجانب. وهذه كلها اشبه باحلام يقظة . لقد عشت في الظروف نفسها، وفي الفترة ذاتها التي عاشها الشاعر في موسكو في الستينات من القرن العشرين . وكان بعض أصدقائي يعملون بصفة مترجمين في دور النشر السوفيتية ، ووكالة تاس، والطبعة العربية من جريدة «أنباء موسكو». كانوا يسكنون في شقق زوجاتهم أو صديقاتهم وبعضهم لديه غرفة أو شقة صغيرة مخصصة من قبل الجهات التي يعملون بها ، وكانت اجورهم تكاد لا تكفي لسد رمقهم، ولا أحد منهم يمتلك شقة باسمه ، أو سيارة . ولم تكن لديهم أية عملة صعبة لشراء هدايا ثمينة من محزن الأجانب . فمن أين حصل بطل رواية «نينا بتروفنا» على العملة الصعبة التي يصرفها بسخاء . فهو يرتاد المطاعم الراقية المكلفة ، ويحتسي مع عشيقاته أفخر أنواع المشروبات الأجنبية .
ما ابعد هذه الصورة المتخيلة عن واقع الجنس والحب في عاصمة الاشتراكية في الستينات . وصف الواقع السوفيتي على هذا النحو ، يذكرني بما كتبه ليف تولستوي في مقدمته الرائعة لأعمال موباسان الروائية والقصصية: «إن الكاتب الذي يصف الشعب على النحو الذي فعل موباسان ، والذي لا يصف بتعاطف الا «الأفخاذ والنهود» والخادمات البريتونيات فقط ، يقع في خطأ فني كبير ، لأنه يصف الموضوع من جانب واحد فحسب ، هو الجانب الممل ، الجانب الحسي ، ويهمل تماماً الجانب الأكثر أهمية – الجانب الروحي الذي يشكل جوهر الموضوع».
ويقول ايضاً : «ان الشعب الفرنسي لا يمكن أن يكون على هذه الصورة التي يصفونها . واذا كانت ثمة فرنسا التي نعرفها بأبنائها العباقرة الحقيقيين، وبتلك الإنجازات التي حققها هؤلاء العظماء في العلم والفن والحضارة والتكامل الأخلاقي للإنسانية ، فإن الشعب العامل – الذي حمل ولا يزال يحمل على أكتافه فرنسا التي تعرفها بأناسها العظماء – يتألف ليس من البهائم بل من أناس يتحلون بصفات روحية عظيمة».
وبطبيعة الحال لا يمكن مقارنة رواية «نينا بتروفنا» بنتاجات كاتب عظيم مثل موباسان . ومع ذلك أقول أن الواقع السوفيتي لم يكن على النحو الذي يصفه المؤلف..
رب قائل ، ان الواقع شيء والرواية شيء آخر ، وهذا صحيح . فالرواية وان كانت تنطلق من الحياة اولاً ، الا انها تمتزج بالخيال على نحو لا يمكن للمتلقي أن يميز في الرواية بين الحقيقة والخيال. ولكن الرواية ينبغي أن تتسم دائما بالصدق الفني ، وأن يكون منطقيا ومقنعا . واذا كان التأريخ يحدثنا عما حدث ، فإن الأدب، يصوّر ما كان يمكن أن يحدث . وثمة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب ، فقد لا يصدقك الناس.
الإروتيكا الغائبة عن الواقع السوفيتي
خلال الندوة التي جرت عبر الجسر الفضائي بين لينينغراد وبوسطن في 17 يوليو 1986 تحت مسمى «نساء يتحدثن الى نساء» بمشاركة ممثلة منظمة «النساء السوفيتيات» لودميلا إيفانوفا ، قالت مشاركة أمريكية في الندوة : «بسبب الحرب في افغانستان على النساء في الاتحاد السوفيتي التوقف عن ممارسة الجنس مع ازواجهن ، عندها لن يذهبوا الى الحرب . فردت عليها إيفانوفا قائلة : «لا يوجد جنس في الاتحاد السوفيتي ، بل هناك حب. وخلال حرب فيتنام لم تتوقف النساء الأميركيات عن معاشرة أزواجهن».
وقد أثار رد ايفانوفا موجة عارمة من التعليقات في الإعلام السوفيتي . وذهب الجزء الأول من الجملة : «لا يوجد جنس في الاتحاد السوفيتي» مثلا . بالطبع كان هناك جنس كأي بلد آخر في العالم . ولكن الغالب على العلاقات العاطفية بين الجنسين كان الحب الحقيقي المتبادل . كان النظام السوفيتي متزمتاً جداً ، لا مشاهد قبلات في الأفلام او وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات . وكان ثمة حذر من الأجانب زرعه النظام في النفوس . ولم يكن من السهل ان يقيم الطالب الأجنبي علاقة حميمة مع فتاة سوفيتية الا بعد لقاءات عديدة حيث يتعرف كل منهما على الآخر جيدا ،وتنشأ بينهما علاقة حب ، لذا فإن إيفانوفا قالت عين الحقيقة .
المرأة السوفيتية بالأمس والروسية اليوم تتمتع بكامل حقوقها اسوة بالرجل. ولكن النظرة الشبقية المتخلفة الى المرأة كوعاء ولعبة للرجل لا تقتصر على المتزمتين ، بل تشمل – ويا للمفارقة – بعض كبار الشعراء .

About alzawraapaper

مدير الموقع