نظمت الشعر وهي صغيرة ونشرت لها مجلة السمير اللبنانية أول قصيدة وهي في الرابعة عشر…”الزوراء”تستعرض مسيرة الشاعرة المغتربة لميعة عباس عمارة شاعرة الحب والأنوثة والجمال

كتابة – جمال الشرقي

ربما يجد القارئ المتابع لقصائد لميعة عباس عمارة او طريقة أدائها وأسلوب حديثها وصوتها تقاربا كبيرا بين ما يكتبه نزار قباني وبين ما تكتبه لميعة فالأول يناغي المرأة وعذوبة دورها ولميعة تكتب الشعر وتقرؤه بتلك الحالة الناعسة ذات الغنج والصوت والتقطيع المعبر عما يجيش في صدرها وما تحمله أشعارها من مضامين.
لميعه عباس عمارة التي غادرت العراق منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما لتسكن لندن ثم أمريكا تعيش اليوم مناهزة الثمانين شاعرة مرهفة الإحساس ولكن بذكريات حالمة لا نشاهد لها جديدا او مشاركة الا بعضا من آخر مشاركاتها في مربد الثمانينيات او حضور بعض المحافل والمناسبات التي كانت تدعى اليها في بغداد ويطلب منها ان تكحل المناسبة تلك ببعض من أشعارها او بعض ما تقوله فتطرب الجميع وتدخل في نفوس الجالسين الراحة والبهجة وهي تسمعهم الفصيح مدبلجا مع الشعر الشعبي بقراءة حالمة تجبر الحاضرين على ديمومة التصفيق لها بين سطر وسطر، لميعة عباس عمارة شاعرة عراقية محدثة.

تعد لميعة عباس عمارة محطة مهمة من محطات الشعر في العراق ولدت الشاعرة لعائلة عريقة ومشهورة في بغداد حيث عمها صائغ الفضة المعروف زهرون عمارة ، وتاريخ ميلادها 1929.
وولدها صديقي اسامة الذي كان جنديا معي ابان الحرب العراقية الإيرانية والذي قيل عنه انه يساعدها اليوم على شغف الحياة ، وكانت ديانة العائلة صابئية مندائية عراقية في منطقة الكريمات وهي منطقة تقع في لب المنطقة القديمة من بغداد. والمحصورة بين جسر الاحرار والسفارة البريطانية على ضفة نهر دجلة في جانب الكرخ سنة 1929م.
وجاء لقبها عمارة من مدينة العمارة حيث ولد والدها. أخذت الثانوية العامة في بغداد، وحصلت على إجازة دار المعلمين العالية سنة 1950م، وعينت مدرسة في دار المعلمات. تخرجت في دار المعلمين العالية سنة 1955. وهي ابنة خالة الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد والتي كتب عنها في مذكراته الكثير حيث كانت ذات شخصية قوية ونفس أبية. من قصائدها المعروفة قصيدة أنا عراقية بمطلعها لا حيث كتبت هذه القصيدة عندما حاول أحد الشعراء مغازلتها في مهرجان المربد الشعري في العراق حيث قال لها أتدخنين.. لا… أتشربين… لا…أترقصين…. لا..ما انتِ جمع من الـ لا فقالت انا عراقية عاشت أغلب ايام غربتها في الولايات المتحدة بعد هجرتها من العراق في زمن النظام السابق .
سيرتها
لميعة عمارة إضافة لرقة أشعارها ورهافة حسها كانت لها نشاطات متعددة ايام شبابها اذ كانت عضوة الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء العراقيين في بغداد [1963-1975]. كذلك عضوة الهيئة الإدارية للمجمع السرياني في بغداد. وهي أيضا نائب الممثل الدائم للعراق في منظمة اليونسكو في باريس (1973-1975). مدير الثقافة والفنون / الجامعة التكنولوجية / بغداد وفي عام 1974 منحت درجة فارس من دولة لبنان.
متى بدأت كتابة الشعر
بدأت الشاعرة كتابة الشعر في وقت مبكر من حياتها منذ أن كانت في الثانية عشر، وكانت ترسل قصائدها إلى الشاعر المهجري ايليا أبو ماضي الذي كان صديقاً لوالدها، ونشرت لها مجلة السمير أول قصيدة وهي في الرابعة عشر من عمرها وقد عززها ايليا أبو ماضي بنقد وتعليق مع احتلالها الصفحة الأولى من المجلة إذ قال: (ان في العراق مثل هؤلاء الاطفال فعلى اية نهضة شعرية مقبل العراق..).
درست في دار المعلمين العالية – كلية الآداب – وقد صادف أن اجتمع عدد من الشعراء في تلك السنوات في ذلك المعهد، السياب والبياتي والعيسى وعبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم، وكان التنافس الفني بينهم شديداً، وتمخض عنه ولادة الشعر الحر. حين كرمتها الحكومة اللبنانية بوسام الأرز تقديراً لمكانتها الأدبية لم تتسلم الوسام (لان الحرب الاهلية قائمة) وكتبت تقول:- على أي صدر احط الوسام ولبنان جرح بقلبي ينام
شاعرة تنظم الفصيح والشعر الشعبي
كتبت الشعر الفصيح فأجادت فيه كما كتبت الشعر العامي وأجادته كذلك، أحبت الشاعرة لغتها العربية وتخصصت بها ومارست تدريسها فتعصبت لها أكثر دون أن تتنكر للهجتها الدارجة فوجدت نفسها في الاثنين معاً. إن لميعة ترى في اللغة العربية الفصيحة وسيلتها للتواصل مع الآخرين، لكنها تجد في لهجتها العراقية العامية ما يقربها من جمهورها المحلي الذي استعذب قصائدها فتحول بعضها إلى أغنيات يرددها الناس. ومن دواوينها (الزاوية الخالية وعراقية ولو أنبأني العراف والبعد الأخير) وهي كما قلنا ما زالت على قيد الحياة تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية وتحن الى بلادها والى بغداد الحبيبة فتقول :-
(هلا) و(عيوني) بلادي رضاها
وازكى القرى للضيوف قراها
بلادي ويملاني الزهو اني لها انتمي وبها اتباهى
لان العراقة معنى العراق
ويعني التبغدد عزا وجاها
اغني لبغداد تصغي القلوب
والفي دموع الحنين صداها
وان قلت بغداد اعني العراق الحبيب
بلادي باقصى قراها
من الموصل النرجسية ام الربيعين
والزاب يجلو حصاها
الى بصرة الصامدين نخيلا
تشبث من ازل في ثراها
واسكنت نفسي اقصى البعيد
وقلت غبار السنين علاها
فما نستني عيون النخيل
ولا القلب والله يوما سلاها
واعرف انه قمر للجميع
ولكنه قمر في سماها
لميعة صابئية عراقية الانتماء
عراقية المنبع صابئية المذهب لا ترى فيها غير العراقية اصلا وحبا ونبتا، لميعة عباس عمارة شاعرة عراقية بامتياز، تنحدر من سلالة اتخذت من الماء – وهو أصل الحياة – مكاناً لعبادتِها وحياتِها، وقومها من تلك الأقوام الموجودة بالعراق قبل أن يكون العراق عراقاً، ولأنها جنوبية فهي مترعة بالحنان الذي تستمده من بلل مياه الأهوار وهي شاعرة حلقت في فضاءِ طويلِ كطيور الماء في بلدتها الأولى .
لان العراقة معنى العراق
ويعني التبغدد عزا وجاها
اصولها السومرية
عراقية الولادة سومرية الاصل تعود أصول الشاعرة لميعة الى ميسان، في جنوب العراق، حيث أنشأ السومريون حضارتهم، لكنها فتحت عينيها في بغداد حتى صار التبغدد جزءاً من حياتِها تتمثله وتدافع عنه، فكان انتماؤها الى بغداد قوياً، بعد أن اغترب أبوها الرسام بعيداً عن العراق، وحين سعت إليه فأدركته، مات بعد شهرين من ذاك اللقاء، فعاد انتماؤها الى العراق أقوى، فصار هو الأب والأم والحبيب .
نظمت الشعر وهي صغيرة باللهجة العامية، وتفتحت موهبتها الشعرية في وقت مبكر من عمرها، ونشرت اول قصيدة لها عام 1944 في مجلة السمير، تخرجت من دار المعلمين العالية وعملت مدرسة للغة العربية وآدابِها.
اصدرت عدة دواوين منها:
– عودة الربيع 1963
– أغانى عشتار 1969
– يسمونه الحب 1972
– لو أنبأني العراف 1980
– البعد الأخير
عندما درست الشاعرة في دار المعلمين العالية – كلية الآداب – صادف أن اجتمع عدد من الشعراء في تلك السنوات في ذلك المعهد، السياب والبياتي والعيسى وعبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم، وكان التنافس الفني بينهم شديداً، وتمخض عنه ولادة الشعر الحر الذي لا تكترث الشاعرة كثيراً في مسألة الريادة فيه. بدأت بنشر قصائدها في الصحافة العراقية والعربية وكان اسمها يتردد بين شعراء تلك المرحلة.
وممن أشاروا الى شاعريتها المستعرب الفرنسي البروفسور (جاك بيرك) فذكرها في كتابه الذي صدر بفرنسا عن الشاعرات العربيات فذكرها ونازك الملائكة وفدوى طوقان.. فقال: لميعة عباس عمارة شاعرة الرقة والجمال والانوثة التي لا تنتهي …
كما انها تتميز بالذكاء وسرعة البديهة، فحين كرمتها الحكومة اللبنانية بوسام الأرز تقديراً لمكانتها الادبية- لم تتسلم الوسام (لان الحرب الاهلية قائمة) وكتبت تقول:
على أي صدر احط الوسام
ولبنان جرح بقلبي ينام
إن لميعة ترى في اللغة العربية الفصحى وسيلتها الأوسع للتواصل مع الآخرين، لكنها تجد في لهجتها العراقية (العامية) ما يقربها من جمهورها المحلي الذي استعذب قصائدها فتحول بعضها الى أغنيات يرددها الناس.
ومن يقرأ قصائد الشاعرة لميعة يتوقف عند ملمحين أساسيين، الأول سعيها للتعبير عن أنوثتها أمام الرجل بوصفه صنوها لا عدواً لها تحاول استفزاز رجولته وإثارته، والثاني هذا الاعتزاز بانتمائها العراقي الواضح بعيداً عن المزايدات الوطنية، إنه التعبير عن ذلك الارتباط الروحي بأرض تعرف مدى عمقها الحضاري وأصالتها، وكثيراً ما تغنت ببغداد، بالشعر الشعبي فبغداد عندها هي العراق.
عشر الملايين الهواهم ولا لي عوض ،
فاركتهم بالرغم فرض علي انفرض
وما صاحبي بعدهم غير التعب والمرض
والدمعتين التنام بشعري تالي الليل
اكول خلصت وثاري الخلص
بس الحيل أدري جبيرة الأرض
بس مالي بيها غرض
ولتعلقها بلهجتها العراقية تستهل أحدى قصائدها بمفردتين محليتين هما «هلا» و«عيوني» فتغني لقرى العراق ومدنه وناسه وتجد كل شيء جميل فيه، حتى قمر بغداد ترى أن له خصوصية وإن كان مشتركاً بين الجميع، كما سبق لحبيبها القديم الشاعر السياب أن قال «حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق؟» . تقول لميعة:
وهكذا تغدو بغداد هي العراق لذا فالشاعرة تعشق كل ما فيها من أرض وجو وبشر، فأحبت ملايينها العشرة وحين تضطر لمغادرتها تحملهم في قلبها تتذكرهم وتتذكرها وتغني لهم وقد مر قطار العمر سريعاً، ورغم اتساع الأرض يبقى الهوى بغداد (شعر عامي):
ولفرط حبها لبغداد ومعالمها تغني لجسرها المعلق الذي يربط بين جانبي الكرخ والرصافة في أجمل مناطقهما يقول مطلعها:
لِمها الرّصافةِ في الهوى سِفْرُ
لعيونها يتفجّرُ الشِعْرُ
الزوراء تستقري اراء شعراء وكتاب
استقرأت الزوراء عبر صفحتها ذاكرة اراء بعض من الشعراء والكتاب الذين عاصروا لميعة فكان من بينهم الشاعر عادل الشرقي : شاعرةٌ لم يبلغ غزلها شعراء الغزل القدماء والمعاصرين .. تقول الشاعرة لميعة عباس عمارة عن الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد رحمه الله وهي ابنة خاله الوحيدة : { أنا وعبد الرزاق عبد الواحد ، من بيت شعرٍ واحد. أنا أرقُّ منه وأغزَل .. و هو أوفرُ عطاءً و أجزل ! }.
ومن هذا المعنى نستطيع الاستشفاف من أن الشاعرة الرقيقة المرهفة الحس لميعة عباس عمارة ، كانت تُعدُّ عبد الرزاق عبد الواحد ، سببا في اندفاعها النفسي للتباري معه في ساحة الشعر وميادينه الواسعة ، غير أنها تختلف عنه في عذوبة صورها ، وجمال معانيها في عموم قصائدها ، مما يؤكد رهافة حسها ، وشدة الإحساس بالأنوثة المفرطة ، والغنج الأخّاذ ، فحين كنا نستمع إليها وهي تقرأ قصيدتها في مهرجان المربد ، كان الغنج كله يتجلى في الإلقاء الذي يشدنا إليها ، ويبعث فينا نشوة التأمل في المعاني المتجسدة في صورها الشعرية وقصائدها الساحرة.
إن لميعة عباس عمارة ، شاعرةٌ تتحلى بشخصية عالية المستوى ، غير أنها كانت تؤنِّثُ الأشياء ، تؤنث الأحجار والرمال والحصى ، وتبعث فيها الموسيقى والروح والرنين ، فلا يرقى لصورها الشعرية أكبر شعراء الغزل القدماء والمعاصرين .
الكاتبة عالية كريم: لميعة عباس عمارة شاعرة الرقة والجمال والأنوثة
امراة سكنها الشعر وبقي في اعماقها وهجاً متقداً لم تنطفئ جذوته، هربت من ارض الشعر، كي تستنشق أكسجين الحرية، بعد ان تفشت الاوبئة والامراض السياسية، فكتبت قصائد حب ممزوجة بالوجع والحنين ودجلة وليالي بغداد والناس الطيبين، انها المرأة البغدادية الميسانية التي ولدت في بغداد عام 1929 في منطقة الشواكة بجانب الكرخ ونشأت وترعرعت في العمارة وتسكن منذ سنوات في مدينة سان دييغو في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الامريكية .
لا احد يتذكر طبيعة تلك المرأة التي عشقها السياب والهمته في كتابة العديد من القصائد وكانت من اخلص صديقاته، حين بدأت علاقتها به في دار المعلمين العالية التي تخرجت منها عام 1950، ويذكر الاستاذ عبد البطاط، ان السياب قال فيها قصائد كثيرة ودعاها لزيارة قريته جيكور وبقيت في ضيافته ثلاثة ايام، كانا يخرجان سوية الى بساتين قريته ويقرأ لها من شعره وهما في زورق صغير.
الشاعر علي الفواز : يشاء القدر أن تُنتزع هذه الشاعرة الرقيقة من العراق كنخلة اجتثت من أرضها، وهي اللصيقة بها حد الوله، لتنبت في أرض غير أرضها وناس غير ناسها وسماء غير سمائها. حيث تقيم الشاعرة لميعة اليوم وقد تجاوزت السبعين، في أمريكا ، فتتذكر بغداد ولياليها فيها، وأيامها مع السياب الذي كنّاها بوفيقة في قصائده حسب ما تعترف هي بذلك، ويبدو أنه سلك طريقة الشعراء القدامى في عدم الإفصاح عن اسم الحبيبة.
وهكذا تنتهي رحلة الوفاء مع شاعرة عراقية كبيرة كنا ولا زلنا نتمناها في بغداد لتشارك شعبها الحنان والمودة .

About alzawraapaper

مدير الموقع