نظام بغداد القضائي في زمن حكم الدولة الجلائرية لبغداد

طارق حرب

طارق حرب

انتهى حكم الدولة العباسية لبغداد سنة 1258 م وبدأ حكم الدولة المغولية أبناء هولاكو لينتهي سنة 1337م ليبدأ حكم الدولة الجلائرية لبغداد وهي ثالث دولة تحكم بغداد لمدة تزيد على سبعين سنة حيث تولى السلطة الشيخ حسن واولاده حسين وأحمد وعلي والحفيد أويس والحفيدة دوندي.
ان القضاء في الدولة الجلائرية من الوظائف الدينية التي لها ارتباط مباشر بالديوان شأنها شأن الحسبة والمظالم والشرطة وقد استمر سلاطين آل جلائر على التمسك بالياسا التي تعني مدونة القوانين التي وضعها جد هولاكو وهو جنكيز خان فهي مجموعة قواعد قانونية سياسية واجتماعية وعسكرية واقتصادية تدل على حرص الحكام الجلائريين بالتمسك بالاسلام كذلك استمرت دواوين اليارغو التي تعني المحاكمة والحكم، يتم عقدها ببغداد أما القضايا الشرعية فكان ينظر فيها القضاة بموجب الشريعة الاسلامية ومنصب قاضي القضاة يمثل أعلى رتبة يمكن أن يصل اليها القاضي وقد تم تحديد مهماته بالاستماع الى المرافعات والفصل في المخاصمات وكتابة السجلات والتوقيعات وتعيين نواب القضاة وترتيب الكتاب ومؤرخي الحجج والوثائق والقبالات وعقود الزواج وقسمة المواريث والتركات والمحافظة على بيت المال وأموال اليتامى وتولية الاوقاف وتنصيب وعزل متقلدي المناصب الشرعية والنظر في جميع القضايا المتعلقة بالامور الشرعية في جميع أنحاء البلاد.
وكان قاضي القضاة يتم تعيينه من قبل السلطان الجلائري وقد جرت العادة على تعيين قاضي قضاة واحد في جميع أنحاء الدولة الجلائرية الا العراق العربي فقد كان يولى فيه قاضي قضاة مستقل في بغداد ويقال له قاضي بغداد وأشار مرجان الخواجه نائب الحاكم الجلائري صاحب جامع مرجان في شارع الرشيد الى وجود قاضي قضاة في بغداد عندما أصبحت عاصمة للدولة الجلائرية وأحياناً يكون قاضٍ لبغداد وقاضٍ لتبريز عاصمة الجلائريين وأحياناً قاضٍ واحد لبغداد وتبريز كما حصل للقاضي علي بن الجلال عبد الله بن سليمان الشافعي وفي عهد السلطان الجلائري أحمد كان للعراق قاضي قضاة مستقل وهو غياث الدين بن العاقولي وتسميه المصادر باسم قاضي بغداد. ولقد كان قاضي القضاة يعد أحد أركان الدولة الجلائرية ويؤخذ رأيه في شؤون الحكم فعندما مرض السلطان أويس هرع اليه أركان الدولة والقاضي الشيخ علي طالبين منه الوصية ويستشيرونه في شؤون السلطة وكان السلاطين يكلفون ببعض المهام السياسية فلقد أرسل السلطان حسن الشيخ حسن قاضي بغداد وبعض القضاة الى مصر بمثابة رهن على العسكر الذي طبع وارسل السلطان حسين قاضي بغداد وتبريز على رأس وفد لتهنئة السلطان المصري برقوق بالسلطنة.
ولكثرة أعمال قاضي القضاة كان يختار له نائباً ينوب عنه في جميع واجباته ويعهد اليه ضبط ديون القضاة وحكومة الاوقاف والنظر في أمر الموقوفات ونصب وعزل القائمين عليها وتدقيق حساباتها ومراقبة تنفيذ متوليها لشروط الواقف وصرف الموارد الى مستحقيها وفي بغداد كان أمر الموقوفات بيد قاضي القضاة وبالاضافة الى قاضي القضاة ونائبه كانت توجد وظيفة أقضى القضاة وهي وظيفة قاضٍ من الدرجه الاولى أو قاضٍ ممتاز ويكلف أحياناً بوظيفة قاضي القضاة وكان تاج الدين حسن بن مجد الدين حسين أقضى القضاة في البلاد العربية وكان قاضي القضاة يتولى تعيين القضاة ويعزلهم ويمنحهم سلطاتهم وكان القضاة منتشرين في مختلف مدن العراق وقراه وكان بعضهم يحكم في أكثر من مدينة وقرية ويقال له حاكم ومن المدن التي يتولى قاضي القضاة أو نائبه تعيين قضاتها بغداد وقد جرت العادة في العهود السابقة أن يكون لبغداد أكثر من قاض واحد حيث كانت المدينة مقسمة عدة أقسام يرتب لكل منها قاض خاص وكان القضاة في هذا الوقت هم نواب لقاضي القضاة من ذلك عبد الرحيم بن عبد الله بن محمد نائب للقضاء واشتهرت فضائله وشيخ الحنابلة في بغداد سليمان بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن وعلى المذهب الشافعي الحسين بن محمد بن عبد الله وعلى المذهب الشافعي أيضاً عبد الغفار بن محمد بن عبد الله القزويني الذي ولي نيابة الحكم ببغداد وكانت غالبية القضاة من المذهب الشافعي ومن قضاة الحنابلة القاضي شهاب الدين الانباري وولي عبد العزيز بن علي من قضاة الحنابلة ومن قضاة الحنفية أمير كاتب بن أمير بن عمر وقد ولي قضاء بغداد ثم دخل دمشق أما قضاة المالكية فهم قليلون جداً ومنهم شهاب الدين أحمد بن يونس المالكي.
وكان القضاء يتمتع بشيء من الاستقلال وامتاز كثير من القضاة بالنزاهة وغزارة العلم وأبدى بعضهم مثالا في عدم الخوف من السلطان أو الوزير في تنفيذ الاحكام الشرعية فالقاضي شهاب الدين الانباري ألزم الوزير اسماعيل بالخروج من بيته لأداء صلاة الجمعة في المسجد بعد أن قرر الصلاة في بيته ويصفون القاضي ابن العاقولي بأنه صدر العراق ومدرس بغداد وعالمها ورئيس علماء المشرق انتهت اليه الرياسة في بغداد.

About alzawraapaper

مدير الموقع