نصب الحرية

أحمد الشطري
ما أن اكتمل بناء النصب الذي اسماه جواد سليم(الحرية)، وظهرت ملامحه للناظرين، وهو يشمخ منتصبا بهيئته البهية الجذابة وما احتواه من اشكال وحركات ذات محمولات ودلالات حركت ما تراكم من خمول على مخيلة الكثيرين الذين اصطفوا أمامه، شاخصين بأبصارهم كمن يتطلعون الى شاشة سينمائية، تعرض لهم صور الانكسارات المتلاحقة للأمة التي كتب عليها أن تعيش الألم والفقدان والسجون والبكاءات، وقف جواد سليم في الأفق البعيد ينظر باندهاش لتلك الشاشة البيضاء التي حملت كائناته، فامتلأت عينه بمشهد الخلفاء يتسربون الى اللوحة حاملين سيوفهم المعقوفة ذات الرؤوس المدببة التي مازالت تقطر دما، مجللين بتلك العمائم التي تمنح رؤوسهم الفارغة حجما أكبر مما تحمله من فكر، وتضفي عليهم هيبة زائفة تتخادع لها ابصار الناظرين، فتبدو القامات الفارعة مهطعة الرؤوس اكبارا واعظاما وتذللا لتلك العمائم المتسخة بالغباء والغطرسة والنزوات، وما هي الا لحظات حتى خرجت خيول المغول وهي تجوب شوارع بغداد، راسمة بصهيلها وحركة حوافرها الموت والدمار على جدران البيوت التي مازالت أبوابها مخلعة بسبب ركلات اقدام عسس الخلفاء المقدسين، ظلت عينا جواد سليم مسكونة بالدهشة وهي تبصر مشهد قطيع الولاة العثمانيين وهم ينشرون العتمة في فضاء لوحته التي اراد لها ان تكون أكثر بياضا من شاشات العرض السينمائي، بينما راح جانب من تلك الشاشة يعرض احصائية لشيوخ القبائل الذين شوه اللوحة لعابهم السائل بغزارة أمام بريق الذهب الانكليزي، وهم يقدمون الوطن ودماء المساكين على طبق الخيانة الى صاحبة الجلالة.
كان حفل افتتاح النصب الذي حضره العديد من المسؤولين من عصور مختلفة وهم يحملون السياط بأيديهم الملوثة بحمرة الدم، قد جرى بشكل رسمي مهيب، وقد بورك بتغييب مجموعة من الشباب الثائرين في غياهب السجن، وتعليق بعضهم على أعواد المشانق، بينما ظلّ جواد سليم مصرا على أن النصب لم يكتمل بعد، فقد كان يخشى أن يدب اليأس في نفس ذلك السجين الذي ظهر وهو يصارع قضبان السجن دون أن يتمكن من تحطيمه. ويبدو انه الوحيد الذي كان يبصر الجلادين وهم يتسربون بشكل غريب الى فضاء اللوحة، ويرى تكاثرهم الذي يشبه الانشطار الأميبي.
بينما ظهرت في زاوية معتمة من ساحة التحرير، تلك المرأة التي أنزلها محمد خضير سلطان من النصب في روايته شبح نصفي، وهي تولول بحزن جنوبي ناثرة ما تبقى من شعرها الذي ظلت تنتفه مع كل اطلاقة قناص تخترق جسد الشباب المنتفضين في مختلف الساحات التي اصبحت في نظر القتلة اشبه (بعلوة المواشي)، حيث يتبضعون منها كل يوم ذبائحهم التي يقدمونها مغلفة بورق السيلكون لأسيادهم المقدسين.
ورغم اختطافه وهو يعود الى قبره من ساحة التحرير وتهديده بالقتل، ظل جواد سليم واثقا من بقاء لوحته مفتوحة على نهايات سائبة، رغم اصرار الكثير من الملوك والغزاة وشيوخ القبائل وزعماء العصابات والعوام المساكين والعسس الملثمين على قطع الطريق امام تلك النهايات التي تشبه الثقوب السوداء ذات القابلية العجيبة على التهام ما يعترض طريقها من مشاهد تتوالد بلا انقطاع.

About alzawraapaper

مدير الموقع