نخلة شامخة من نخيل العراق

سعد محسن خليل

سعد محسن خليل

سنبتعدُ عن كتابة المقال التقليدي، ونبدأ بكتابة قصة قصيرة، هزتني لما لها من معانٍ ودلالات انسانية كبيرة لكل صاحب ضمير حي .. وقصتنا تبدأ مع “ام علي” تلك المرأة العراقية الصابرة المجاهدة المحتسبة الى الله التي فقدت زوجها في احدى معارك الدفاع عن العراق، هذه الحادثة لم تهزها بقدر ما هزتها عاتيات الزمن نتيجة ظروف الفاقة والحرمان، فانزوت في احد اركان سوق شعبي تبيع فيه الخضار لتستحصل من ايراده على مبلغ بسيط تسد فيه احتياجات اطفالها الخمسة، اربعة منهم بنات، واكبرهم شاب في مقتبل العمر، استطاع بالكاد، وبرغم المعاناة التي عاشها، من اكمال دراسته الجامعية، واتجه اسوة بزملائه للحصول على وظيفة حكومية بسيطة ليحقق من خلالها طموحه لسد حاجة عائلته ومحاولته اقناع والدته لترك معاناتها في العمل والارتكان للراحة في البيت البسيط المستأجر للعناية والاشراف على تربية اخواته القاصرات، لكن الحظ لم يسعفه بالحصول على تلك الوظيفة المنتظرة، فلم يجد امامه حلا غير الاتجاه لممارسة العمل الحر، “عتال” في احد اسواق بغداد التجارية، وبرغم هذا العمل المجهد والمذل اتجه “علي” لإكمال دراسته الجامعية للحصول على شهادة الماجستير في حقل اختصاصه الدراسي، فانكب على مواصلة الدراسة ليلا .. كانت والدته في غاية الفرح، خاصة وانها هيأت مكانا بارزا في احد اركان الغرف ليكون مكانا لتعليق شهادته الجامعية بعد التخرج، ومرت الايام مثقلة بالهموم، وفي يوم مقرف مملوء بالكآبة والحزن عزم عدد من اصدقائه الذهاب الى بيت “ام علي” وهم يحملون معهم امانة كان “علي” حريصا على ايصالها لوالدته، وما ان وصلوا البيت وخرجت “ام علي” لاستقبالهم حتى بدأ مشهد درامي وهم يتمعنون بوجه “ام علي” ، فانتابهم شعور محزن، حيث بدأت دموعهم تنسكب دون ارادة وهم يحملون لها خبر استشهاد ولدها “علي” في انفجار وقع في سوق الشورجة، وتلقت “ام علي” الخبر الذي كان لها اشبه بسيف ينحر رقبتها، فانسكبت من عيونها الدموع المخلوطة بلون الدم، وبدأت تصرخ بهستريا دون شعور، وحملت شهادة ابنها “علي” ووضعتها في المكان المخصص لها في احدى غرف الدار، وقالت “يمه هذي شهادة وفاة علاوي اضعها هنا بدلا من شهادة التخرج”، هذه هي الأم العراقية عاشت معاناة الحروب والحصار، وبقيت صامدة بوجه عاتيات الزمن لا تهزها الرياح كنخلة شامخة من نخيل العراق.

About alzawraapaper

مدير الموقع