نجيب محفوظ وأهمية المكان في منهجه الروائي

رعد المكصوصي
لعل أهم تجاوز لنجيب محفوظ كان في روايته ( المرايا ) ثمّ في عودته واستغراقه بعمق وحساسية وملحمية في تقصي معالم الحارة المصرية كأصل للحياة ومنبع الأسطورة ومنجم للأحداث والشخصيات ، والأهم من هذا التشوق لرؤى فكرية تتعلق بمعنى الزمن والموت والميلاد، العدل والظلم ، البراءة والخسّة ، بحيث تصبح الرواية هنا شهادة وحلما ، واقعا ومجازا رمزيا، دليلا ومناجاة لمعنى الحياة والموت ، وقد بلغت ذروة هذه المحاولة في ملحمته ( الحرافيش ) .
إنّ المنهج الروائي في ( المرايا ) أوصل الكاتب لشكل وبناء قابل لتصبح الرواية شهادة على الإنسان المصري في فترة طويلة ، شهادة تغوص حتى واقعه الأعمق والأعم ، فهي تكتشف وتجسد بتحليل عميق عناصر الواقع الاجتماعي وأزمة الطبقة المتوسطة وتقدم المصير الذي ينتظرها ، غير أنّ دوافع الكاتب لتقديم هذه الشهادة الكلية برغم تحفظاته واستهدافه الموضوعية ، تغرينا بإثباتها ، لأنها متناقضة وغير منطلقة لمداها البعيد ، ولأنها اصطدمت بصميم مشكلات الحياة الشخصية والاجتماعية والعقائدية التي يعاني الكاتب منها نفسه .
لقد قدّم ترجمات لشخصيات هي دورات حياة وشهادات ساخرة ، حيث تنمو وتتحرك جميع صور العالم غير أنها في النهاية آثار خاصة لا تنظر إلى العالم وحواشي الحياة إلا من خلال العقد النفسية والأزمة الفكرية التي نسجت جوهر رؤية أبناء الطبقة البرجوازية الصغيرة المصرية في تاريخنا الحديث ، بحيث يمكن أن تصبح دراسة وجدانية للصعود الاجتماعي لأبناء هذه الطبقة ، وأيضا العجز والشلل الذي بدأ يصيب عالمهم الأخلاقي ، وبالتالي ضياعهم والعودة للكشف المباشر عن طبيعة هذه النماذج على أرض الواقع ، وفي شكل وثائق تتضمن مغزى صريحا، وهو أنّ المحاولات السابقة للتخلص من وطأة هذه المحاولات أصبحت غير مقنعة للكاتب نفسه ، وهي بذلك تقدم للناقد وجهات نظر أصيلة لعلاقة الواقع بالفن ، وبغنى وخصوبة النفس الإنسانية التي تتمرد على الصياغة النمطية ، وما يسمى النموذج في الفن . ولسنا نبالغ لو قلنا انّ الشخصيات الرئيسية المترجم لها هنا ، برغم تعددها وتنوعها وسحرها المزدوج ، لا تخرج عن عائلته الروائية وهم : انتهازيون وتجار فرص اجتماعية ، وثوريون يطرحون أفكارا يسارية تتغير وتتعمق مع تغيرات الصراع الطبقي وهم كالأشباح الفكرية ، ومتدينون لهم أفكار حالمة عن عدالة تعانق ما بين السماء والأرض، وامتدادا لهم نجد مشايخ التصوف المحلقين أبدا في صفاء لا يتحقق ، غير أننا نقع في الخطأ لو اكتفينا بالأبعاد الوثائقية والاجتماعية التي تكشف لنا عنها هذه الملحمة المعاصرة فثمة مشاكل ميتافيزيقية ، يغازلها الروائي وتدور حول الموت والقلق وفقدان المعنى . لكن يبقى من طموح الروائي الكبير نجيب محفوظ في تحولاته الروائية ما أسسه وأبدعه من ( وحدة للمكان الروائي ) وهو وحدة ( الحارة ) ببعده العيني والغيبي حيث التكية والأناشيد والسور العتيق ، ثمّ حياة الحارة ، الميلاد والموت والحياة، وحياة الصعاليك والحرافيش في مزاوجة بين الحلم والواقع ، لقد قدمت الحارة في عالم نجيب محفوظ الروائي على أكمل شكل واقعي في (زقاق المدق) ثمّ تحولت من حارة تدور فيها أصوات واقعية في الحاضر أو الماضي القريب ، تحولت إلى بعد أسطوري ، تناقش فيه قضية الحياة بأشمل معنى ، والموت والعدالة ، والدين ومصير الصراع التراجيدي الأبدي بين الخير والشر ، بين العنف والسلام ، بين البراءة والنذالة.
انّ ( أولاد حارتنا ) تعبّر عن حقائق العدالة والتخلص والتقدم في العلم ، لكن هذا الحاضر المتعاقب يخلق في تتابع هذه الأحداث ( بحارة الجبلاوي ) زمانا لا مندوحة لنا في النهاية عن الشعور به انه زمان الرجوع الأبدي لكنه ليس رجوع التاريخ . ان سلالة الجبلاوي (الجد وأصل الحياة) وهم ورثة الوقف القديم يعانون من إذلال ناظر الوقف ونبابيت الفتوات ( عصيهم الغليظة ) ويتلمسون عبر أشجع أبناء الحارة ، حلولا نسبية لهذا الظلم بتوالي أدهم ، وجبل ورفاعة ، وقاسم وأخيرا (عرفه) فالمقصود هنا بالحارة ( تاريخ البشرية ) وصراعها ضد القهر وهي تبشّر برؤية حسيّة تكتشف في العلم الخلاص ، غير أنها تعتمد على علم ممزوج بغلالة تصوف وحدس ، ونلمح فيه رغبة مثالية للدفاع عن القيمة العليا ، أصل وبداية ونهاية الأشياء . وتتصل وتتنوع وتتعمق رؤية الكاتب الكبير نجيب محفوظ لمعنى الحياة وأصل الأشياء في رواية ( حكايات حارتنا ) خلال حياة مصرية مضاعفة متعددة الأشكال الإجمالية ، تقدم بتصاعد ملحمي وعلى إيقاع ربابة معاصرة هي ترجمات لشخصيات عادية وموحية معا ودورات حياة وشهادات ساخرة توصلنا في النهاية لنمو درامي ، بعيد المدى ، تتحرك في أفقه جميع صور الحياة ، من الميلاد وحتى الموت ، من البحث عن يقين وأصل الكون حتى العدم وسخرية وعبث الفناء ، من الرحلة والمغامرة والصعلكة والجنس والحب ، حتى العودة والاستكانة في ظل معالم الحارة الأبدية ، التكية والسبيل ، والحلم الدائم برؤية الدرويش الأكبر الذي تبدأ به حكايات نجيب محفوظ وتنتهي به ، فعلى لسان طفل الحارة الذي تترسب في ذاكرته كل التجارب وخبرات الأطفال ، وبعد حوار مع رجل مسن هو (الشيخ عمر ذكري) الذي أمضى عمره يبحث بلا جدوى عن أصل حكاية الدرويش الأكبر الذي تردد كل الحارة ذكره دون أن يراه أحد، فسأل الطاعنين في السن فاختلفوا ، وتحرى في ديوان الأوقاف ، وأخيرا لجأ إلى العقل الذي علمه أن يرى التكية والدراويش ولا يرى الشيخ الأكبر الذي تردد الحارة ذكره دون أن يراه أحد ، وانتهى بأن يتفرغ لخدمة أهل الحارة ، بأن يفتح مكتب خدمات من سمسرة لزواج ، لعمل ، الخ فالخدمات الأرضية أكثر فاعلية من البحث عن مجهول .
وأخيرا نصل إلى لحن القرار في السيمفونية الروائية عن الحارة التي استحدثها الكاتب (نجيب محفوظ) فنجد ملحمة (الحرافيش) تقدم في المدى القائم بين الحقيقة العامة والحقيقة الجوهرية ، بين الوجود والماهيّة ، بين العالم المعاش وعالم الفكر المثالي .
هي أنشودة بحث ومعاناة عن تحقيق العدالة والكمال في الحارة تبدأ بسرد حياة ( عاشور الناجي ) اللقيط المجهول ، والذي أنشأه ورباه الشيخ الضرير ( عفرة زيدان ) على التقوى والحب والخير والشجاعة ، فأقام كل هذا حماية للضعفاء والفقراء ، وألغى عهد البلطجة .
أصبح المكان ( الحارة ) يلعب دورا أساسيا في بناء الرواية عند ( نجيب محفوظ ) واستطاع ان ينقله ( المكان ) من مفهومة الميكانيكي الجامد الى حالة متحركة متدفقة بالإغراء والتشوق زارعا فيه كلّ عناصر الشد والجذب .
تمتلئ رواياته بنفس ملحمي يسرد قصة حياة البشرية من المجهول ولدت ومن المجهول تسير داخل حدود المكان الذي هو الآخر يسير مع أحداث رواياته بطريقة مدهشة حيث يختار إيقاع وتكثيف وإيحاء الصورة الشعرية في سرد وقائع الأحداث ونماذج الشخصيات في إطار المكان ، فتومض من حين لآخر تأملات غاية في العمق عن تراجيدية الصراع الإنساني بكل جوانبها ، من الميلاد والموت ، الحب والكراهية ، الخير والشر ، الفتنة والغواية والهداية .
إنها صورة بانورامية لا متناهية عن المكان تحدها معالم ذات رمز واضح ، وهذه هي قيمة تحولات الرواية عند (نجيب محفوظ) حيث أثبت بملحمته ( الحرافيش ) والتي أخذناها مثلا ، عن مساهمته بتجربة روائية لها أصالتها في الموضوع والبناء ، والأهم من هذا انه عانق المعاصرة فكتب عن حضارة شعبه وقدمّ رؤيته الروائية دون زيف أو ادعاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع