ناهض فليح الخياط .. انتفاضة شاعر

أحمد فاضل
من الملهم حقاً رؤية شجاعة العراقيين وهم ينهضون لإنهاء معاناتهم التي استمرت سنين طويلة منذ عام 2003 ، التي شهدت سقوط الحكم الشمولي وبداية حقبة جديدة كان يأمل فيها العراقيون حياة مرفهة كريمة ، لكنهم صدموا بساسة عاثوا بالعراق فساداً وسرقة حتى لم يعد بمقدورهم مجاراة حياتهم بالشكل الذي كانوا يأملونه ، ومنذ انتفاضة تشرين الشبابية كانت هناك انتفاضة أخرى سجلها شعراء العراق ، كان من بينهم ناهض فليح الخياط الذي وقف بحروف قصائده مناصراً ومؤازرا لها ، فلم تكن تلك القصائد لتشكل أي دهشة لأنها شعر هذه اللحظات المفعمة بالأحاسيس الوطنية ، هنا لا أقصد « الشعر « باعتباره استعارة ، ولكن الشعر الفعلي الذي لعب دوراً بارزاً منذ بداية الانتفاضة ، هذا الشعر ليس زخرفة لها ، إنه صوت الاحتجاج الذي شكل أيضاً جزءاً مهماً من الانتفاضة نفسها ، لأن تاريخ الثورات لا يكتبه سوى الشعراء ، ولا يوجد شيء غير عادي حول أن الشعر يلعب دوراً مثيراً في لحظة ثورية ، في هذا السياق قد نذكر أنفسنا بأن صنع الثورة ليس جديداً بالنسبة للعراقيين ، كان للعديد من هذه الثورات شعراءهم وحتى مغنيهم الذين أضافوا إلى هذا التقليد الأدبي السياسي طرقا خاصة بهم ، فالتاريخ يذكر لنا العديد منها كان للشعر والشعراء الحصيلة الكبرى فيها . والشاعر الخياط حين يدون لشعر الانتفاضة ، إنما يؤرخ للتاريخ هذه الملحمة البطولية التي لا نظير لها بين الملاحم في تأريخ العراق الحديث ، وهو حينما يقول :
ثمة َ حُكّام ..
يرتدون صِبغَ الحضارة
وشوارعهم ..
قمامات متناثرة ٌوأكوام تراب
وأطفال الفقراء بينها
يبحثون عمّا يبقيهم على قيد العراء
وهنا أرى ..
كيف تبكي قلوب الشعراء والأنبياء
فأسمعُ عندها ..
ملاكَ شعري صارخا ًبين آفاقنا :
مَحكَمة !
أنظر كيف تعامل الشاعر بحسه الوطني مع نبض المنتفضين ، وكيف يفعل صوت الشعر الهادر مع أصواتهم ، فلا يمكن اختزال هذا الواقع بكلمات عابرة ، لأنه أيضاً عمل ثوري بحد ذاته ، أي أن شعارات المنتفضين التي تغنوا بها وهم يهتفون ، أكبر من تكرار الشكاوى والتطلعات التي تم نشرها في وسائل الاعلام الأخرى ، كذلك الشعر لديه القدرة على التعبير وإثارة الحماس بين الجموع المنتفضة كما في هذا النص الدلالي الذي وظف الشاعر فيه كل مروءات وشجاعة العراقيين حين قال :
هنا العراق
هنا نحن فاسمع أيها الكون صوتنا
بأنا كرام لن تهان ديارنا
شبابنا على عز بأرض عزيزة ٍ
وقد رضعته في المهود صغارنا
وسرنا وقد شدّ الزمان ركابنا
إلى المجد حتى صار منه زماننا
وكانت لنا الأيام خير شواهد ٍ
على ما سمتْ للعز فيه فعالنا
لها الدهر يعنو والعدا يعرفونها
وكم شربوا مما سقتهم سيوفنا
من الموت فيها والمروءات تنتخي
عليهم وقد هبّت ْ إليها أسودنا
فكيف ينال العِرض منا مدنس
أجير لقيط جندته عداتنا
ليسقط تاج النخل تحت نعاله ِ
ويسحق ما قد أن أنجبته حقولنا
وما أورث التاريخ منا بفجرهِ
وما أبدعته للحياة عقولنا
وما شيّد الإيمان فينا بنوره
قبابا بها استوفى الجمالَ خيالنا
طلعنا بها شعبا عظيما توطدت
بأركانه للمكرمات ديارنا
وصرنا نشيدا للورى ينشدونه
وقد دقّ سمعَ الأرض منا نداؤنا
هنا نحن شعب الأمس واليوم والذي
حبتْه بكل الأنبياء سماؤنا
وأطلقتِ الأنوار للكون حملها
فكان لها مما تمنت عراقنا
وحينما يرى الشاعر شباب الانتفاضة وهم يهزمون الخوف بتحديهم الرصاص الحي وقنابل الغاز المحرمة دولياً ، يذهب بصوته الشعري ليقف معهم ، كما لو أن ما سيقوله سوف يساعد المحتجين على البقاء في أماكنهم غير آبهين بقسوة السلطة وأسلحتها :
حِصصا غدت أرضُ العراق وشعبُه ُ
للحاكمين مناصبا ًو مكاسبا
ونسَوا بأن اليوم ليس كأمسه ِ
فينا وقد عضدَ الصِحاب ُ الصاحبا
شُعَلا ًتبيد الغاشيات وينطوي
فيها البُغاة ُثعالبا ً وأرانبا
الخياط وهو يلّوح بقصيده الذاهب لسوح الشرف ، يقف مذكراً ، صارخاً بوجه الفاسدين : أنكم لا محالة ستحملون في النهاية الحطب ، وستلبس معاصمكم النار :
الفاسدون ومن أوحى لشلتهم
من مفسدين رعاة النهب والسلب ِ
لينعموا بيننا غُنما ًومنزلة ً
ودونهم نحن في قهر وفي سغب ِ
ظنوا الحياة لهم دنيا ًمؤبدة ً
وقول أهل التقى ضرْب من الكذب ِ
فليأخذوها إذن ولينعموا زُمرا ً
مع المريدين مِن زُلفى ومن نسَب ِ
حتى يروها وقد جاءت بمئزرها
وجيدها لهم ُحمّالة ُالحَطَب

About alzawraapaper

مدير الموقع