ميك يدجلة شحلو واشحلو موجاته

سعد محسن خليل

سعد محسن خليل

لم يكن رئيس الوزراء الاسبق الباشا نوري سعيد منجم ولا عالم فلك لكنه كان يمتلك القدرة على استقراء المستقبل بعقلية متميزة فاقت عقلية علماء الاجتماع عندما استقرأ المستقبل وماذا سيحدث في العراق بعد سقوط النظام الملكي .. وقد اثبتت الاحداث المتلاحقة التي اعقبت سقوط النظام بعد انتفاضة العسكر عام 1958 رجاحة الفكر المتنور الذي يمتلكه الباشا السعيد حيث قتل ومثل بجثته في شوارع بغداد بعملية لاتخلوا من وحشية وبشاعة كان من نتائجها دخول البلاد في اتون صراع سياسي بين الاحزاب المتناحرة للاستيلاء على السلطة بعد ان خرجت من جحورها يومها كان العراق في بداية عهده الجمهوري عهد لم يجلب للبلاد غير التناحرات والصراعات الحزبية التي كان من نتائجها سفك مزيدا من دماء الابرياء من ابناء شعبنا الصابر المحتسب الى الباري عز وجل حتى بات المواطن يأسف لسقوط النظام الملكي الذي كان يضم نخبة من الشخصيات السياسية التي لم تتلوث اياديهم بالفساد المالي .. كان المواطن العراقي في ذلك الزمن الجميل يشعر بالامان فلا توجد بينه وبين اركان النظام الملكي حواجز كونكريتية معزولة .. كان المواطن يتفيأ تحت ظلال اشجار النخيل المنتشرة بكثافة في ربوع عراقنا والتي باتت اليوم وفي عصر النهضة ميته يتيمة تبحث عن المنقذ الذي يعيد لها كرامتها بعد العز الذي مرت به .. كان المواطن يعيش حياة البساطة حيث يستنير « بالفوانيس « المنتشرة في الشوارع بعد ان يوقدها « اللمبجي داود « وفق اوقات محددة بعيدا عن تدخل السلطة الحاكمه ووعودها بقرب انتهاء ازمة الكهرباء خاصة بعد تطبيق نظام « الخصخصة « .. ولنترك الكهرباء وننتقل الى الماء الذي هو عصب الحياة حيث كان المواطن يتمتع بمذاق ماء زلال غالبا مايكون بارد يشبه برودة الثلج ماء صاف يروي عطش المواطن الذي عاش تلك الفترة الجميلة من تاريخ العراق يوم كان فرحا يطرب لصوت الفلس والعانه والدرهم العملة التي غالبا ما كانت تسد حاجياته بعد ان اصبحت هذه العملة في خبر كان نتيجة التضخم حتى باتت لاتلبي طموحاته في شراء عبوة من المياه المعدنية المستوردة بعد ان اصبحت هذه العبوات البديل لمياه دجلة والفرات النهران العظيمان اللذان طالما تغنى بهما الشعراء والفنانين العراقيين ولا ننسى يوم صدحت حنجرة المطرب « محمد سلمان « وهو يتغنى بدجلة الخير عندما قال « ميك يدجلة اشحلوا واشحلوا موجاته « اليوم تحولت حلاوة نهر دجلة وموجاته الى ذكريات عابرة وبات هذا النهر اشبه باطلال بعد ان اصابه الذل والهوان نتيجة ما يتعرض له من اضطهاد وصل الى حد اصدار فرمان تركي بحبسه حبسا انفراديا في اراضي الغربة بعد فشلت السلطات المحلية العراقية في ايجاد الحلول لالغاء العقوبة الفسرية وفك وثاقة لينطلق من الاراضي التركية باتجاه الاراضي العراقية وهو اكثر سعادة ليروي عطش الضمآن ويحرك مكامن الارض العراقية التي احتضنته منذ الاف السنين ليخرج ثمراته .. هذا النهر الخالد بات اليوم يحتضر بانتظار ساعة تشييعه التي باتت في كل حسابات الزمن الحالي قريبة ليحكي بصمت قصة « تراجيدية « لاترتقي الى قصص الف ليلة وليلة .. قصة سرق حلاوتها المترفين في دولة تتجاذبها المشاكل والمنغصات لتؤشر صحة المثل القائل « شر البلية مايضحك « ولربما وفي محاولة من الحكومة لمعالجة شحة المياه ستلجأ لاخذ احتياطاتها بعد موت دجلة والفرات من خلال تزويد السكان بخزانات مملوءة بمياه الخيبة والخذلان بعد ان فشلت في ايجاد الحلول الصائبة لارواء عطش السكان .

About alzawraapaper

مدير الموقع