من وحي الزمن المهزوم

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

في زمن الخوف، يقف أمامك الكاتب الدانماركي، هانس كريستان اندرسون، وهو يقص عليك:
كان يا ما كان، في قديم الزمان، وفي زمن الخسّة والخسران، كان هناك ملك يعشق ارتداء الملابس الفاخرة، وكان ينفق الأموال الطائلة لتحقيق رغبته.
ذات صباح، تسلل إلى المدينة محتالان، فأطلقا شائعة يظهرا من خلالها قدرتهما الفائقة على نسج ملابس غريبة ومدهشة من حرير موّشى بالذهب الخالص، لا يراه مَنْ كان غير كفء لمنصبه، ولا يتمتع بمنظره الساحر مَنْ كان غبيا.
في المساء، كان الخبر المثير قد وصل سمع الملك ساخنا شهيا، مما جعله يفكر بأن هذا القماش الجديد يجعله يميّز بين الحكيم والبليد من رجاله، ومَنْ هو صالح لمنصبه والذي لا يصلح له، فأطلق أوامره باستدعاء المحتالين، ومنحهما كل ما يحتاجاه من الحرير والذهب، والمباشرة بعملهما فورا.
باشر الدجالان عملهما بوضع نوليْن فارغيْن، وتظاهرا بالعمل، وفي كل يوم يطلبان أرقى أنواع الحرير، وأنفس سبائك الذهب، والملك المفدّى يتحرق شوقا للساعة التي يرتدي فيها ملابسه الجديدة، وهو يصرف المزيد المزيد لهما.
ازداد شوق الملك، وتصاعدت رغبته في ارتداء ملابسه الجديدة، فأرسل وزيرا آخر، وأمام النساجيْن المحتاليْن وقف الوزير مشدوها، ممّا جعل أحدهم يصرخ به: ما لكَ لا تقول شيئا؟.. فردّ عليه الوزير، وبسرعة، خوفا من اتهامه بالغباء: انه نسيج رائع، وهذا ما سيفرح الملك كثيرا.
في الأسبوع الثالث، ذهب منقذ البلاد ومسعد العباد، بمعية حاشيته ومستشاريه، ووقفوا جميعا أمام النوليْن الفارغيْن، ومع صيحات الإعجاب والتكبير، ومع خوف الملك من انه غبي، ولا يصلح أن يكون مالكا، صرخ فرحا: انه في غاية الجمال، لقد راقني كثيرا، سأرتديه غدا بعيد جلوسي على العرش!!
في يوم الاحتفال الكبير، خلع الملك ملابسه، وتظاهر الدجالان بحركات وهمية بأنهما يقومان بارتداء الملك ملابسه الجديدة، وقال أحدهما: يا جلالة الملك، انك لا تشعر بوجود هذه الملابس لأنها صنعت غاية في الدقـّة والشفافية.. ومع صيحات الإعجاب من حاشيته، ارتدى الملك ثيابه الجديدة، وخرج إلى شعبه فخورا فرحا بثيابه، حيث قوبل جلالته بالتصفيق والترحيب والتهليل، والإعجاب والدعاء والدهشة، لولا صرخة قويّة صادقة جريئة أطلقها طفل من نافذة بيته، ألغت كل مباهج الاحتفال الكبير، صرخة سمعها الجميع، تقول: ملكنا لا يرتدي شيئا، انه عارٍ تماما، انظروا ملكنا لا يرتدي شيئا.. عند ذاك صرخت الجموع: ملكنا لا يرتدي شيئا، انه عارٍ تماما.
ارتجف الملك بادئ الأمر، لكنه صمّم على مواصلة المسيرة، وتصرف على نحو أشدّ تكبرا من ذي قبل، ومن ورائه حاشيته وخدمه، وهم يحملون ذيل الرداء الذي نسجه المحتالان من الهواء.

About alzawraapaper

مدير الموقع