(من هندسة التخييل إلى بلاغة التشكيل)
الصورة السينمائية السردية في مجموعة غيمة في يدي لآمال شتيوي

د. موسى بن حداد
عنوان لكتاب نقدي قام بتأليفه مجموعة من الباحثين الجزائريين (د/ موسى بن حداد، د/ فائز بيوض، أ/ فهيم مزياني) يرمي إلى معالجة إحدى القضايا الهامة التي تدخل في صميم بناء وتحقيق بلاغة نثرية سردية خاصة تختلف عن البلاغة الشعرية سواء في جانبها الكلاسيكي (الصور البلاغية) أو في جانبها القائم على مخلفات التجريب (الصور الجديدة)، هذا المبحث(أي الصورة) الذي ظل ولأمد بعيد كامتياز حصري خاص بالشعر دون سواه من الأجناس النثرية رغم اشتراكها جميعًا في هذا الجانب وبنسب متفاوتة.
ومع حلول عهد جديد يقوم على الصورة في كل شيء ويعدها عمادها الرئيس، وعصبه النفيس. قامت دراسات تهتم بالصورة في مجالات مختلفة بدأت مع الصوراتية في الأدب المقارن من خلال الاهتمام بصورتي:(الأنا والآخر)، ثم انتقلت إلى حقول أخرى مع نقاد اهتموا بها ضمن الرواية وكمثال على ذلك ما نجده عند كل من: (ستيفن أولمان وواين بوث)، ثم ما جاءت به جماعة (مو) ضمن ما يسمى بالبلاغة المرئية العامة، وبعدهم حلقة (تيطوان) بقيادة «محمد أنقار» وتلامذته الذين نادوا بتأسيس بلاغة سردية موسعة أو بلاغة الرواية أو بلاغة الصورة السردية، وركزوا على دراستها ضمن الرواية أو القصة القصيرة جدًا دون أن يتعدوها إلى غيرها، ثم ما نجده سواء عند من كان قبلهم أو الذين أتوا بعدهم من دراسات ضمت بعض الجزئيات ذات الصلة بالصورة ولكن في إطار محدود اللهم ما بدأنا نتلمسه مؤخرًا من بحوث ورسائل تركز على الصوراتية وصورة الآخر ضمن جنسي الرواية والشعر، ولعل خير دراسة جمعت في أتونها كل الأجناس السردية وركزت على مقاربة الصورة السردية ضمن (الرواية، القصة، القصة القصيرة، القصة القصيرة جدا)، وبحثت في تقنيات هذه الصورة وأنماطها وسماتها وسياقات تكوينها، ومدى مساهمة ذلك في تشكيل وبناء بلاغة نثرية سردية رحبة تختلف عن بلاغة الشعر تكوينا وسمة وانتماءً، كما ردت على مشروع حلقة تيطوان وما جاء به الغرب في نقاط محددة رسالة الدكتوراه للباحث «موسى بن حداد» من جامعة باتنة -1-، بعنوان: (الصورة الفنية في السرد النسوي الجزائري المعاصر).
وما الصورة السينمائية –وهي محط تركيز الباحثين- سوى أحد أنماط الصورة السردية الكبرى (الكلية) التي تشكل إحدى لبنات البلاغة السردية الموسعة عبر تمظراتها والتقنيات الداخلة في تركيبها، والسمات التي تعكسها.
هذا وركز الباحثون على هذه الصورة –السينمائية- ضمن جنس القصة القصيرة جدًا وبالتحديد في مجموعة «غيمة في يدي» للقاصة الجزائرية الكبيرة «آمال شتيوي»، ويعود اختيارهم لهذه المدونة لما تتميز به نصوصها وما تتوفر عليه لاعتبارات عدة يدركها من يطلع عليها.
اشتمل الكتاب مدخلا موجزا حول القصة القصيرة جدًا الجزائرية النسوية من حيث النشأة والحدود، وفصل أول تحت عنوان: (الصورة السينمائية الحدود والعلاقة) تركز الحديث فيه عن حدود الصورة السينمائية، ثم بلاغة هذا النمط من الصور بين التعدد التقنياتي وجمالية التراسل الفني، فالعلاقة بين القصة القصيرة جدا والسينما، ثم علاقة الصورة باللغة، وأخيرًا علاقة السرد بالصورة.
في حين جاء الفصل الثاني معنونا بـ:(الصورة السردية السينمائية وتقنيات السينما)، إذ اقتصر على تقنيات الصورة السينمائية من قبيل: (المونتاج، استرجاع الماضي، اللقطة السينمائية من حيث القرب والبعد..). ليختم الباحثون المؤلف بمجموعة من الملاحظات لعل من أهمها:
– القاصة «آمال شتيوي» ولجت ميدان الومضة عن موهبة ومقدرة نمت نتيجة خبرتها الإبداعية مع مرور الزمن، فهي لا تكتب ترفيها ولا رغبة في لقب أو شهرة.
– «آمال شتيوي» تمتلك حسا رؤيويًا موسوعيًا، ووعيًا فنيًا عميقًا، وفلسفة في الكتابة تنم عن شخصها وفردانية نصوصها شكلًا ودلالة وسمة.
– وظفت القاصة الكثير من التقنيات في مجموعتها من قبيل:( الرمز، التشخيص، التجسيم، الوصف، الحوار، الحذف، المشهدية، التشكيل الطبوغرافي، الإيقاع، التجريب، التناص، تداخل الأجناس، تراسل الحواس، الانزياح، اللقطة، القطع، اللصق، المونتاج، المشهد، التصوير، الزوم، الاسترجاع، …الخ).
– عكست نصوص المجموعة الكثير من السمات سواء على مستوى الومضة الواحدة أو عبر جميع الومضات من قبيل: (الشاعرية، العجائبية، المفارقة، الرمزية، التكثيف، الإيحائية، الدرامية، البوليفونية، الحوارية، الواقعية، التخييلية…الخ).
– تعكس المبدعة ضمن مجموعتها فلسفة خاصة في الكاتبة تمتح من معين الحياة بمختلف تلويناتها، مطعمة إياها بنفس تخييلي ورؤية تراسلية.
– تعد «آمال شتيوي» مدرسة فنية قائمة بذاتها في ما يخص جنس الومضة، إذ إن كتاباتها تعكس أساليب تعبيرية متنوعة وسمات كثيرة، ساهمت بفضل ما تتميز به في تشكيل وتشييد بلاغة سردية خاصة.
– الصورة السردية السينمائية لدى الساردة في مجموعتها انبنت على تشكيلات ورؤى وتقنيات متنوعة تنوع النمذجة الأنطولوجية والرسم الطبوغرافي.
– شكلت القاصة صورها الدلالية عبر تشكيلات مشهدية وامضة جزئية وكلية في هيئة صور ولقطات تتراوح بين البعد والقرب، وعلى نحو بالغ الصفاء والدقة.
– كتابات القاصة تجمع بين المعاينة البصرية والمشاهدة الذهنية، إذ وكأنها تكتب مقاطع فيلمية قصيرة نمذجتها في قوالب تشكيلية لغوية فائقة الدقة والبراعة، حيث إن من يقرأ نصوصها الومضية يكون في الآن ذاته أمام بعدين، بعد القراءة الآنية وبعد المشاهدة العينية عن طريق تفعيل عدسة العرض في مخيلته دون وعي منه، إذ ذلك التأثير الذي تنتجه الدلالات هو ما يعمل على تنشيط الذكرى وحثها على ابتكار صور مماثلة لما يقرأ من كلمات.
– نصوص المجموعة ذات أبعاد أليغورية، دينامية، تشخيصية، واقعية ممخيلة، تنضح بالشاعرية والتواتر، كل نص يختلف في تشكيله وبناءه الفني وحتى في رسمه الطبوغرافي ، ولن تجد تشابها لا من حيث الدلالة ولا من حيث الشكل، كل وحدة من وحدات مجموعتيها تمتح من رحم الواقع، وتتشح بأردية التخييل المبتكر، كأنما الكاتبة تعزف مقطوعات موسيقية استمدت نوتاتها عبر امتداد الزمن(ماضي، حاضر، مستقبل)، وحتى من الزمن التخييلي الذي يجعل المستحيل محققا.
– في مجموعة «غيمة في يدي» اعتمدت القاصة لسرد مضامينها على آلية تصويرية متعددة الأبعاد والطبقات والسمات، مستفيدة من فعالية الرمز، وسلاسة التشخيص، ومرونة التجسيد بنسبة كبيرة، إذ تحولت إلى ظواهر بفعل تركيزها عليها مطعمة إياها بعبق التخييل، ودينامية الإيقاع المتغاير من صورة لأخرى ومن مشهد لآخر موظفة صيغا متنوعةً لتعكس دلالات أكثر إيحاءً وذات تأثير فعال يمتد عميقًا في نفس المتلقي، إذ تثير لديه شعور الاستفزاز مما يدفعه إلى بذل جهود مضاعفة من أجل فهم آلية عملها، وفك شيفراتها واستخلاص مضامينها.
– إن التشكيل السينمائي اللغوي الذي طغى على ومضات المجموعة ما هو إلا نتيجة لفاعلية الرؤية التخييلية، ودينامية الهندسة التشكيلية، وبوليفونية اللغة، ونضج الوعي الفني لدى القاصة، مما يحيل ضمنًا وظاهرًا إلى مدى ما تتمتع به من مقدرات ومؤهلات، ونحن نعدها وإن كان يبدو للبعض حكما مغاليا فارسة ميدان القصة الومضية في الجزائر بل وفي الوطن العربي؛ لأن في كتاباتها ما يرشحها لذلك.

About alzawraapaper

مدير الموقع