من قصص الحياة.. دورثي

ماجد الحجامي
اتجهت سيارة الأجرة التي كنت أقودها إلى حي (سانت بونفس ) الذي يقع شرقي مركز مدينة (وينيبج ) عاصمة مقاطعة (منتوبا ) الكندية ويسمى ايضا الحي الفرنسي إذ يتحدث أغلب ساكنيه اللفة الفرنسية . وصلت إلى المنزل لأجد أمامه فتاة شقراء ذات جمال صارخ تجلس على كرسي متحرك . تركت سيارتي واتجهت اليها وقبل أن أسئلها أجابت بصوت عذب هادئ يتناغم مع هيئة جمالها :
– هل أتيت من أجل دورثي؟ – ـ أنا هنا من أجل ذلك .
– هل تمانع أن تأخذني إلى سيارتك ؟
– بكل سرور هذا عملي .
فتحت الباب ، تعلقت بالمقبض المثبت في سقف السيارة ورمت بنفسها على المقعد الخلفي ، وضعت كرسيها في صندوق السيارة لنتجه بعد ذلك الى كنيسة تبعد أكثر من خمس وعشرين كيلو مترا الامر الذي أثار فضولي لأسألها :
– المدينة مليئة بالكنائس فلماذا تلك الكنيسة النائية ؟
– أشعر بالراحة والطمأنينة وصفاء النفس واقتراب أكثر من الرب في تلك الكنيسة .
كانت سرعتي معتدلة وأنا أمضي الى تلك الكنيسة والجو معتدل ايضا كما هو الحال في معظم مدن كندا صيفا فراحت تستمتع بمنظر أشجار الصنوبر والميبل التي تزين الطريق ، وضعت نظارتها السوداء على عينيها عندما فتحت النافذة الأمامية ، أرى ذلك من خلال المرآة التي أنظر اليها بحذر فأخذت الريح تداعب شعرها الذهبي ثم ترفع ما تبقى من شعرها الذي يقع أمام عينيها بأناملها الناعمة البيضاء، أخذت أحدث نفسي عن هيئة وجهها وروعة جمالها ، سبحان الذي جعل لها عينين ولساناً وشفتين وسبحان الذي منحها صوتا عذبا تخجل من نغمته أرقى السمفونيات وأشهر المعزوفات ، سبحان من وهبها الرضى والقناعة بقدره إذ لم تنل اعاقتها التي حرمتها من متعة السير من سعادتها وبهجتها وابتسامتها التي تضيف الى جمالها الصارخ روعة وألقا وإشراقا . وفجأة صرخت بأعلى صوتها : انتبه !!!
اعتذرت لها عن عدم انتباهي دون أن أشعرها أنها كانت سبب انحرافي عن الطريق وأخذت أتحدث اليها :
-أكره عندك شيئين .
فأجابت مندهشة :
-وما هما .
-ذلك الكرسي اللعين الذي تجلسين عليه .
-أختلف معك كثيرا فذلك الكرسي منحني عونه طيلة فترة إعاقتي بسبب المرض فهو قدماي اللتان اسير عليهما فأنا مدينة له وللرب الذي سخره لي .
-أنا سعيد بقوة ايمانك على الرغم من إعاقتك هذه .
-لابد أن أشكر الرب على متعة النظر ونعمة السمع والنطق وكل النعم الأخرى التي لا تحصى ، وما هو الشيء الآخر ؟
-أكره نظارتك السوداء هذه .
-حقا … أتعرف بكم اشتريتها !!؟
-لا يهمني .
-إذن لماذا تكرهها ؟
-لأنها تخبئ عينيك الجميلتين .
-اوووه أشكرك كثيرا .
كان حديثنا بعد ذلك عن القصص والروايات إذ تحدثنا عن إيرنست همنغواي و جون ستاينبك وغابريل غارسيا ماركيز ثم عن كتاب (دع القلق وابدء الحياة ) لـديل كارنيجي ثم تحول الحديث الى نكات وكانت تضحك بصوت عال من أبسط القصص المضحكة وعند وصولنا وقبل أن اترك سيارتي لأهيئ لها كرسيها المتحرك التفت اليها قائلا :
-أتمنى ان يحالفك الشفاء عاجلا بإذن الله .
-أشكرك كثيرا لقد قال الأطباء انني سأترك هذا الكرسي قريبا .
وهنا صحت ضاحكا بصوت مرتفع :
-الحمد لله ، أظن أنك ستركضين لثلاثة أيام دون توقف لتعوضي ما فاتك طيلة الأعوام السابقة .
رفعت عيناها إلي والابتسامة لا زالت تزين وجهها الجميل ثم قالت بصوت هادئ :
•-عذرا أظن أنك أسأت فهمي سأترك هذا الكرسي لأنني سأغادر الحياة في غضون تسعة اشهر .

About alzawraapaper

مدير الموقع