من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون: هو أول من مدن الأغنية الريفية.. ونوري السعيد هو أول من فتح له طريق الفن … تستذكر الفنان الراحل عباس جميل صاحب الصوت الجميل وموهبة الإبداع في الموسيقى والتلحين

كتابة – جمال الشرقي

رحبت كثيرا عندما ابلغني احد الإذاعيين الرواد من اصدقائي عام 1990 ان الاستاذ الفنان الكبير عباس جميل قد دعانا في جلسة تعارف حوارية في بيته ، كنت في حينها قد اعتبرت الدعوة مناسبة للتعارف بيني وبين فنان نادر مثل عباس جميل ، ورغم كبر سنه كنت ارى فيه ذلك الفنان الشاب المشرق ، لا يفارقه العود بل كانت الصالة عبارة عن استوديو فني مليء بالصور والذكريات فكانك ترى تاريخ العراق الفني . ذكرتني احدى الصور باغنية زهور حسين . اخاف احجي وعليه الناس يكلون . وصورة اخرى تذكرني باغنيته المعروفة ( اتوبه من المحبه ) وهكذا عشت اوقاتا جميلة مثل روحه الجميلة ونحن نرى عباس جميل يتنقل بنا مرحبا ومعجبا حتى انني كنت اشعر بحاجة لسماع صوته الشجي وفعلا اسمعنا اجمل الاغاني اسفي الشديد انني لم اكن مستعدا في حينها لتسجيلها صوتيا .

الراحل عباس جميل صاحب صوت جميل، وموهبة وابداع في مجال الموسيقى والتلحين حلو المجلس يشيع الفرح والسعادة في قلوب جلاسه، جميل الحديث سريع البديهية لطيف النكتة، يقلب الهم الى فكاهة، ذاكرة خصبه تحتفظ بشريط الاحداث التي عاشها، راض بكل شيء، يحب الحياة ويعرف كيف يعيشها بحلوها ومرها، رقيقاً يحب الجميع وخاصة اصدقاءه الفنانين.
كان مركز إشعاع لكل من حوله، اعطى عطاءاً ثراً منذ بدايته حتى رحيله للاغنية العراقية الرصينة النابعة من اصالة تراث العراق ونخيله ودجلة والفرات وتغنت بها الاجيال وحفظها ورددها الجميع.
عباس جميل مطرب وملحن وموسيقي كبير
اكاد اجزم انني كنت انظر الى فنان متكامل فصوته الساحر كنت اراه يخرج من حنجرة ذهبية ، اما الة العود فكانت تتكلم تماما مثل صوته معبرة عن كل كلمة كان يقولها وهو الملحن الذي لحن للكثير ولاشهر المطربين اولهم زهور حسين التي غنت له اجمل الألحان ووحيدة خليل وغادة سالم ولميعة توفيق ولعدد من المطربين والمطربات الآخرين العراقيين منهم والعرب ذلك هو الملحن والمطرب العراقي الكبير عباس جميل الذي له أهمية استثنائية في تاريخ الأغنية العراقية ويعتبر من رواد الاغنية العراقيه الشعبية التي بدأت في سنوات الخمسينيات من القرن العشرين مع مجموعة من الفنانين الكبار امثال احمد الخليل وجميل سليم ورضا علي ويحيى حمدي وداود العاني ، يمتلك تاريخاً فنياً حافلاً بالألحان الخالدة على امتداد أكثر من نصف قرن قدم فيها أجمل ما يمكن إلى الذائقة العراقية، اتسمت ألحانه بطابعها المحلي البغدادي الاصيل.
ولادته
ولد الفنان عباس جميل في محلة سراج الدين بمنطقة باب الشيخ وسط بغداد عام 1921، تأثر بالمقام العراقي وبرواد الموسيقى العربية، اكمل دراسته الأكاديمية للموسيقى في معهد الفنون الجميلة.
بدايات مسيرته الفنية
أول من فتح له الطريق في مشروعه الفني ومنذ البداية رئيس الوزراء نوري السعيد عندما توسم فيه الموهبة الموسيقية فقرر بنقل خدماته من الكلية العسكرية التي كان مدرباً عسكرياً فيها إلى موسيقى الجيش، لكن الموسيقار البريطاني الميجور (سي نيل) وهو الخبير الموسيقي والعسكري والذي تولى مسؤولية تدريب جوق الموسيقى العسكرية (المقر العام في بغداد) آنذاك، اعتذر عن قبول عباس جميل في ضمه إلى الفرقة برغم موهبته لأنه وجد فتحة بين أسنانه الأمامية، لكن الباشا (نوري سعيد) لم يخيب ظن المبدع العراقي الكبير فاقترح عليه التقاعد برتبة أعلى حتى يتفرغ لفنه الراقي لان الجيش يتطلب القسوة والخشونة أما أوتار عوده فأنها تحرك شرايين القلب وتسحر الناس، فرح الفنان عباس جميل من كل قلبه بقرار الباشا نوري سعيد والذي كان عازفاً هو الآخر رغم دهائه السياسي، فهذا القرار سوف يغير مجرى حياته والى الابد لأنه سوف يتفرغ لإبداعه وموهبته الموسيقية، وحينها بدأت أوتار الجميل تصنع الألحان لزهور حسين ووحيدة خليل وغادة سالم ولميعة توفيق ولعدد من المطربين والمطربات الآخرين العراقيين منهم والعرب.
عباس جميل فنان يمثل مرحلة كاملة
الراحل عباس جميل هو احد الرواد الذي تحملوا أعباء مرحلة الأربعينيات وما تلاها واخذوا على عاتقهم مهمة تحريك الواقع الغنائي باتجاه الحصول على نتائج مؤثرة في الخطوط العامة للأغنية العراقية، كانت ألحانه تمتاز بطابع القرية والمدينة، فقد عمل عباس جميل على ان يمدن الغناء الريفي من خلال مزاوجة الغناء الريفي بغناء المدينه، كان المغنون الريفيون متواجدين في بغداد وتبث اغنياتهم من خلال الاذاعة والتلفزيون، تلمس الفنان عباس جميل تلك الامكانيات الصوتيه الكبيرة التي يمتلكها هؤلاء المغنون الريفيون فعمل على مزاوجة ما يغنوه من الغناء الريفي مع الغناء المديني وعلى فطرتهم الخالصة، فوضع الحان مدينية لتغن بأصوات ريفية مهذبة ومشذبة ولم يبقها على فطرتها، فأظهرت نوعاً جديداً من الوان الغناء البغدادي الجميل والذي حاز على أعجاب المستمعين والمتذوقين للموسيقى والغناء من المجتمع البغدادي.
دراسته الفنية
بدأت دراسته الموسيقية العلمية على يد الموسيقار «روحي الخماش» وعلى مدى سنتين، تعلم فيها اصول كتابة النوتة الموسيقية واصول العزف على الة العود، ثم تتلمذ على يد ابرز مدرسي المقامات العراقية في بغداد هما الاستاذان حسن خيوكة وعبد الهادي البياتي.
ثم دخل معهد الفنون الجميلة للسنة الدراسية «1950- 1951» فدرس على يد الأستاذ سلمان شكر، وعلى يد الأستاذ المرحوم منير بشير، وتخرج بدرجة شرف، عين بعدها معلما للنشيد في احدى المدارس الابتدائية، في هذه المرحلة بدأ التلحين، وبعد نجاح التجربة الأولى التي لحن فيها للمطربة زهور حسين
«اخاف احجي وعلي الناس يكولون»
كان عباس جميل لا يلحن الا الاغنيات التي تتوفر فيها شروط النغمة العراقية الاصيلة.
متى تعرف عباس جميل على زهور حسين
تعرف عباس جميل على زهور حسين عام 1952 في دار الاذاعة وكانت في بدايات تفتح قريحتة اللحنية، فشكل معها ثنائياً متميزاً، غنت له العديد من ألحانه أغنيات ظلت عالقة في الذاكرة.
في عام/1965 نهض الفنان الجميل الرائع نهضة جديداً اخرى باعذب وأجمل الالحان العراقية الأصيلة فلحن لمطربين عرب كبار امثال (سميرة توفيق وسلامة من لبنان ونهاوند ونزهت يونس من سوريا، ليلى عبد العزيز وعباس البدري من الكويت وليلى حلمي من مصر)، ومطربات عراقيات أمثال (أنصاف منير، نرجس شوقي، لميعة توفيق، عزيمة توفيق، وحيدة خليل، عفيفة اسكندر، مائدة نزهت واحلام وهبي) ومن المطربين العراقيين فقد لحن لكل من (داخل حسن وحضيري ابو عزيز) ولحن العديد من الاغاني التراثية والشعبية العاطفية والوطنية.
بلغ رصيده أكثر من (400) اغنية (بغدادية وريفية)، كانت لزهور حسين أكثر من (60) اغنية.
شارك في فيلم (الدكتور حسن – عام 1954) وغنى فية أغنية (شباب الريف) كلمات حمادة الخزعلي ومن الحانه.
اشتهرت له أغنية غنتها الاجيال لسنوات طويلة وخاصة في مناسبة زيارة (مدينة المدائن _ سلمان باك) وهي أغنية (الما يزورك سلمان عمره خسارة) وهي من لون المربع وكانت بالاصل لداود عزرا وكلماتها: (المايزور العزير عمره خسارة) والعزير من أنيباء اليهود وضريحة يقع في بلدة العزير قرب العمارة في جنوب العراق، أخذها الفنان عباس جميل وغير كلماتها لتتناسب مع زيارة قبر الصاحبي سلمان الفارسي فاشتهر بها، وبقيت حية حتى يومنا هذا.
نال عباس جميل اوسمة كثيرة منها لقب (موسيقار) منحته أياه الجامعة العربية في احتفال اقيم له بهذا الخصوص في القاهرة عام 1995 وقبل رحيله كرم من قبل اتحاد ديوان الشرق بوسام الابداع الثقافي.
توفي عام 2006 وهو في الخامسة والثمانين من عمرة بعد أن قدم أعمالاً فنية خالدة.
اولاد عباس جميل يمجدون اسمه
رغم ان اسم الفنان الكبير الراحل عباس جميل كبير ومعروف لانه وثق تاريخ الاغنية العراقية الاربعينية الا ان اولاده حاولوا ان يطوروا انفسهم ويعملون في السلك الاعلامي ويثبتون جدارة كبيرة فابنته سحر عباس جميل اعلامية ومقدمه برامج عراقيه كان اول ظهور تلفزيوني لها عبر شاشة التغيير وهي ايضا ابنة الفنان العراقي الكبير عباس جميل كانت سحر تسكن في بغداد في منطقة المنصور ولكن بعد وفاة والدها غادرت الى الاردن لتقيم هناك وهي متخرجة من كلية الاعلام في جامعة بغداد في الجادرية وهي من مواليد 1986 من اصحاب برج العذراء حيث تعتبر سحر من افضل اعلاميات الشابات الان فقد نالت لقب افضل اعلاميه لعام 2010 و2011 على توالي وبهذا فهي الان تقدم برنامج سياسي في قناة التغيير.
الابن الثاني هو الفنان فيصل عباس جميل… نعم.. على سر أبي والقادم هو الدليل.
تفنن في اللحن وحذا حذو والده الفنان الراحل عباس جميل ، ونهل من معينه الثر بعد ان شبعت روحه بحب الموسيقى فجاءت الحان اغانيه الرائعة تحمل في طياتها النكهة البغدادية والروح الشبابية الجديدة .
كان دخول فيصل الى الساحة الغنائية عن طريق ارتباطه واشتراكه في فرقة الرافدين للموسيقى والغناء والتي تأسست عام ١٩٩٩ في وزارة الثقافة دائرة الفنون الموسيقية وكانت فرقة كبيرة جدا ومديرها كان والده ، وكان معه في حينها عدد من الأساتذة جميل جرجيس ومحمد نوشي وياسين الراوي وسالم حسين والكثير من اعضاء اللجنة الوطنية العليا للموسيقى العراقية يقومون بتدريب الفنانين الشباب ووضع لمساتهم عليهم لمسات الفن الاصيل وايضا كان الاستاذ باسم مطلب المجتهد الاول بالتدريب والتلقين بعد الاساتذة وبعدما يعطون من نصائحهم وخبرتهم لهم يأتي دوره بالتمرين المكثف سواء للمنشدين او الموسيقيين ومن هناك قرر فيصل ان يمارس الغناء لكن في داخله رغبة ومنذ الصغر يميل الى التلحين لا الغناء ودخل معهد الدراسات النغمية ودرس فيه اصول الغناء العراقي والمقامات والاطوار الريفية فكانت تجربته بالغناء قليلة جدا ولم يعتمدها حتى هذا اليوم، لكن بطلب من بعض الشركات المنتجة والضغط المستمر قامت بتسجيل اغنيتين واحدة لوالده وهي( چاوين اهلنه) والثانية (مدوخة الشباب) من الحانه وكلمات نصير الميالي.
فيصل عباس ملحن
– يؤكد فيصل عباس جميل نجل الراحل في بعض من الحوارات الصحفية انه قام بتلحين ٣٠ اغنية لشركة خليجية، وكان العقد معهم ينص على هذا الاتفاق لكن الاغاني لم تر النور الى الان. وكذلك لحن اغنية (جمالج سحر) للمطرب محمد كمال من كلمات كاظم السعدي وبالوقت الحالي وبعد انقطاع دام ٨ سنوات رجع للساحة الفنية كالملحن وقام بتلحين مجموعة كبيرة من الاغاني الجديدة التي تحمل في طياتها النكهة البغدادية والروح الشبابية الجديدة، وله الان اغنية معروفة اسمها (مو واهس گبل) كلمات مجبل لازم للفنانة العراقية المغتربة في استراليا سهى الغريب والتي تملك حنجرة عراقية وصوتا جميلا ولا اروع وسوف يكون لها شأن كبير جدا بالساحة الغنائية العراقية.
رحل عباس جميل وعمره 86 عاما ليخلد لنفسه وللفن العراقي سفرا طويلا من الاغاني والالحان لا يمكن ان تنسى ابدا .

About alzawraapaper

مدير الموقع