من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون : من شدة حرصه على عمله كان يركب دراجته الهوائية ليصل الى المسرح … الزوراء تستذكر الفنان الراحل قاسم صبحي بعد اصابته بفيروس كورونا دونما ذكر يستحقه

كتابة – جمال الشرقي

• في الرابع عشر من ايلول 2020 وبعد 4 ايام فقط من وفاة زوجته بنفس المرض…توفي الفنان العراقي القدير (قاسم صبحي) الشهير ابو جوقي بعد اصابته بفيروس كورونا… الله يرحمهم ويسكنهم فسيح جناته…
قاسم صبحي فنان ترك بصمة على المسرح العراقي، رحل مازال يعيش في ذاكرة الشارع العراقي ومن خلال اعماله الدرامية في الاذاعة والتلفزيون والسينما، هذا الفنان الكوميدي الراقي الاداء والذي يعيش مع حواره ودوره بكل استلقائية ومن ملكة الموهبة والثقافة الأكاديمية التي يملكها ولاسيما انه عاش ضمن مرحلة ومسيرة فنية كانت فيها الكوميديا في العراق تتمتع بنصوص راقية وجيدة وحوار فيه من النكهة الشعبية والكوميدية والمستقاة من مأساة الشارع العراقي (وشر البلية ما يضحك) على عكس مايعرض الان في الساحة العراقية، علما ان الكوميديا هي من اصعب انواع الدراما على الممثل الحرفي في الطرح والاداء، وتحتاج حرفية ممثل اكاديمي يعرف كيف يتعامل مع حوار الشخصية الكوميدية وكيف يكيف شخصيته مع الدور من خلال خلق شخصية ذات مواصفات الإبعاد الطبيعية ليسخرها على ضوء متطلبات الشخصية الكوميدية الحرفية، اضافة الى كل هذا وجود العوامل الاساسية في النص من حوار يتناسب طرحه ومتطلبات الشخصية الكوميدية، اضافة الى الاحداث والمفارقات التي يجسدها المؤلف في نصه الكوميدي، واضافة الى وجود ممثل حرفي يملك ناصية الأداء الكوميدي ومعرفته بالأداء الكوميدي وبعيدا عن استجداء الضحك والأفعال المفتعلة والتي لا تعطي للكوميديا لغتها الحقيقية.

كان الفنان الكوميدي قاسم صبحي يتمتع بكاركتر جميل ويمتلك حضورا على المسرح وعفوية في الأداء والتمثيل، ولهذا حظي هذا الفنان بمحبة جماهيره وإعجابهم به بحيث سيبقى حيا في ذاكرة الجماهير وان كان غيابه عن المسرح ضمن هذه الظروف القاسية الا انه سيبقى حيا في ذاكرة جمهوره من محبي الفن الأصيل، انه الفنان الذي ابدع بباقة من الأعمال الدرامية مسجلا من خلالها تجربته وإبداعاته حيث يعد علامة من علامات الفن العراقي الأصيل، انه فنان حرفي يعرف كيف يتعامل مع المايكروفون الإذاعي ومع الكاميرات التلفزيونية والسينمائية وهو على خشبة المسرح يبني علاقة مباشرة مع المتلقي ويثير من خلال تمثيله عنصري الإثارة والتشويق وينتزع البسمة والضحك من الجمهور بأدائه الجميل وبشخصيته الشعبية الكوميدية حينما يسخرها ويحركها من على خشبة المسرح، انه رحمة الله على روحه كان يملك حضورا إعلاميا ويملك من الأخلاق العالية باحترام نفسه واحترام عمله وفنه إضافة إلى احترام الآخرين من زملائه وأساتذته من المخرجين الرواد لكونه يبهر من يقابله ويحظى بلقائه لكونه خجول ومجامل انما ليس على حساب كرامته وعزة نفسه، لقد قدم للجماهير العديد من الاعمال المسرحية ومن دون التفكير بالمردود المادي، وان المسيرة الفنية في العراق وتاريخها في العصر الذهبي كانت تفتخر بعطائه وبما قدمه هذا الفنان الكبير، انه قامة مهمة من قامات الدراما العراقية، انه شفاف بعلاقاته ومتواضع بخلقه، ومن شدة حرصه على عمله والتزامه بالوقت كان يركب دراجته الهوائية ليصل ومن خلالها الى المسرح العمالي او الى فرقة 14 تموز للتمثيل فاحترامه للوقت وحرصه يدفعانه ان يكون قبل موعد التمارين المسرحية، وهذا هو حاله لكونه لم يكن يملك سيارة خاصة به فيضطر للاستعانة بدراجته الهوائية لتسهيل وصوله الى مقر عمله الفني.
تتلمذ على يد حقي الشبلي
قاسم صبحي، الفنان الكوميدي الذي قدم العديد من الاعمال المسرحية الكوميدية للمسيرة الفنية وطيلة مسيرة تجاوزت الخمسين عاما، لقد تتلمذ على يدي الفنان الكبير عميد المسرح العراقي حقي الشبلي، وزامل العديد من الفنانين الكبار منهم اسعد عبد الرزاق وجعفر السعدي ووجيه عبد الغني وقاسم الملاك وقائد النعماني والعديد من اسماء الفنانين الرواد الكبار. لقد انقطع قاسم صبحي عن التمثيل وانما لم يعتزل، وكان يوعز هذا الغياب عن جمهوره العزيز بان العلاقات الخاصة لها دورا في توزيع الادوار المسرحية فيما بينهم، اي انها دائرة مغلقة من بعض الكروبات، كان لا يرضيه المشاركة باعمال دون ان ترتقي الى سمعته الفنية، رافضا اعمال التهريج ان تحل محل تلك العروض من المسرحيات الخالدة والتي كان له شرف المشاركة بها كمسرحية الدبخانه وايدك بالدهن ومسرحية جفجير البلد، وغيرها من المسرحيات الكوميدية والهادفة، انه مؤمن جدا بان على الفنان ان يملك بصيرة واعية في اختيارات اعماله، لقد كان قاسم صبحي ممثلا ومخرجا مسرحيا، اضاف الى هذا خاض تجربة كتابة الدراما حيث، كتب مسرحية بعنوان (اخويه مفتح) هذه المسرحية كتبها وفاء لشريك مسيرته في الفن الفنان الراحل فاضل جاسم والذي فقد بصره ولمدة اربع سنوات ومن دون عناية له.
مشاركاته في المسرح والتلفزيون
لقد شارك هذا الفنان بالعديد من المسرحيات اضافة الى الدبخانه وايدك بالدهن في مسرحيتين اضافيتين هما جزة وخروف ومسرحية اللي يعوفه الحرامي ياخذه فتاح الفال، اضافة الى كل هذا شارك في العديد من المسلسلات التلفزيونية ولا سيما مسلسل (حامض حلو) والذي اشتهر بها من خلال شخصية ابو جوقي.
انتقاده للمسرح الشعبي
لقد انتقد الفنان قاسم صبحي ظاهرة المسرح الشعبي المبتذل الذي هو بعيد كل البعد عن المسرحيات الواقعية مقارنة منه مع الاعمال الخالدة من المسرح الكوميدي ابان العصر الذهبي من العروض المسرحية والتي مازالت متعلقة في اذهان الجمهور والنقاد والادباء المثقفين، انها اعمال من اعمال الفنانين الرواد من أمثال وجيه عبد الغني وقاسم الملاك وحاتم سلمان وفاضل جاسم ووجدي العاني ويوسف العاني وقاسم محمد- الخ، حيث تعود على ظاهرة صحية من العروض المسرحية الكوميدية والتي اسهمت في تطوير الكوميديا اسلوبا ومضمونا، لقد تعود فناننا الراحل على المشاركة في اعمال شعبية كوميدية من واقع صلب المجتمع ومقارنة مع ما عرض على الساحة الفنية من اعمال رخيصة ومبتذلة وبعيدة عن الواقع كمثل عرض الشرطي المتهرئ والاستهزاء به، واستعراض الرقص الرخيص وعدم الاعتماد على دراما حقيقية واقعية يعتمد عرضها على تجسيد مشاكل ومعاناة الاوضاع المتهرئة باسلوب كوميدي كما في مسرحية الدبخانة، ومفردات لجمل كوميدية كانت تستعمل لازمة في بعض مشاهد العرض المسرحي لتساعد على ديمومة الابتسامة والضحكة للجمهور كمثل (خوما داير بال)، اضافة انه معجب بأعمال يوسف العاني ونصوصه المسرحية والتي تعتمد على النقد والتشخيص للأوضاع البالية والسائدة في المجتمع.
عاش مع تجربته وخبرته الذاتية وتخضرم في الدراما العراقية بدرجة وصل الى مستويات راقية من الحرفة الاحترافية لا تسمح له التعامل مع نصوص هذه المرحلة، لقد عرض عليه المشاركة في اعمال عديدة تم رفضها من قبله كونها لا ترتقي الى مستوى ماقدمه ضمن مسيرته الفنية،
شخصيته بين الواقع والمسرح
كان الفنان قاسم صبحي في تعامله مع بين الواقع العام وبين شخصيته على المسرح… يعيش الحياة الواقعية بشخصية إنسانية محلات بالأخلاق والطيبة والتواضع الجميل، لقد انطلق نجمه من خلال عروض مسرحيات فرقة 14 تموز للتمثيل منها: الدبخانة، ومسرحية جفجير البلد، ومسرحية ايدك بالدهن، ومسرحية جزة وخروف.
لقد تميز هذا الفنان بالتلقائية والعفوية اضافة انه تميز بالشخصيات الشعبية الكوميدية وأصبحت سمة له وهوية جعلته بمصاف الفنانين الكوميديين من امثال سليم البصري وخليل الرفاعي ورضا الشاطئ إضافة الى الفنان الرائد حميد المحل.
فناون معاصرون تحدثوا للزوراء
تعودنا في الزوراء كلما استذكرنا فنانا او مبدعا راحلا ان نستقري آراء معاصريه , يدلون بآرائهم ويتحدثون عن ذكرياتهم مع المبدع وفي عددنا اليوم كانت لبعض الفنانين المعاصرين آراؤهم.
الفنان أياد الصالحي نجل الراحل
قاسم صبحي الأب السعيد
انتصر لنفسه حتى في قمة جبروت المرض اللعين (كوفيد – 19) الذي قضّ على صدره طوال ستة أيام صعاب من رقدته في مشفى الكندي منتصف أيلول الجاحد الذي لم يحبّه قط، نعم أنتصر في عزلته ووحدته بعدما آمن بقضاء ربه, أنه آن أوان الوداع لينهي عذابات سنين طويلة كان الفارس المُلهم لعائلته ولأصدقائه.
في زمن كورونا عرفنا قيمة الوفاء بين صحبه، وهو المتفقّد على الدوام لرجالات الأمس ممّن تقافزَ معهم فوق خشبة المسرح أو تمازح في كافتيريا الإذاعة والتلفزيون أو عصّب على أحدهم عند تصويرهم مشاهد مسلسل ما، خلطة من المرح والحزن، مشاعر رجل طيب القلب لم يعرف الحقد الى قلبه يحب الجميع ويتمنى الخير للجميع, ومع ذلك بقي يداري نفسه في بيته يكتب ويمزق ثم يفكر ويحلم ويبتكر… وهناك يطلق الآه ألماً على مشهد صاغ حواره بواقعية وراح يقول (هو ثيمة التمثيلية) سأنجزها بعد فترة… ثم ترك النص يبحث عن نهاية!
قاسم صبحي، شخصية حياتية يكره اليأس والمرض والوجه العبوس ويبادر لإعلان المساعدة كلما تطلبت الحاجة، فكان يمد يده للمحتاج أياً كان لمجرد انه يشعر بأداء واجبه الإنساني براحة ضمير حي.
تعلّمنا من والدنا أن لا نعتمد على غيرنا في قضاء ما هو أصعب من طاقتنا، نجرّب حتى لو نفشل عسى أن ننجح بدلاً من أن نتّكِل ونبقى نتعثّر، هكذا في مفهوم قاسم صبحي الإرادة طبيعية بشرية لا تُغذّى إلا بمناعة ذاتية كي تنمو مع دورة الحياة وتصبح متماهية مع كل فعل وردّة فعل، لهذا عندما انتكستْ صحّته أبى أن نتوسّط له وقال:- الله هو الشافي لا تخبروا مسؤولاً أو صديقاً فمن يبادر بنفسه فذلك خير له،
قدم للفن الكثير ولأكثر من 50 عاماً, رحم أيام الدبخانة… وجلود ابطالها لم تزل حية تتحمّل مزيد من دموع الفرح فقد كان (ابو طه) كل السعادة و(ماداير بال).
الشاعر باقر جعفر
الفنان قاسم صبحي من الفنانين المهمين وقد ترك بصمة على المسرح العراقي وفي السينما والدراما العراقية وذلك الفن القديم الذي ما زال في ذاكرة الشارع العراقي وما زالت مسرحيات قاسم صبحي في ذاكرة الشارع العراقي لذا فانا اقر بوجود اختلاف بين الكوميديا السابقة والكوميديا الحالية.
الكوميديا السابقة تتمتع بحركة جميلة وايماة جميلة وحوار جميل عكس ما نشاهده الان في بعض الاعمال التي لا تمت الى الكوميديا بصلة لان الكوميديا تعدّ من الفنون الصعبة جدا وقاسم صبحي يتمتع بكاركتر جميل ويتمتع بحركة وعفوية على المسرح لذا سيبقى هذا الفنان راسخا في ذاكرة الناس.
صباح رحيمه كاتب ومخرج سينمائي
بالنسبة للفنان قاسم صبحي هذا الرجل واحد من علامات الفن العراقي واحد كبار الممثلين العراقيين من جيل الاحترام من جيل العطاء والقيم خدم الفن العراقي والمسرح العراقي وخدم الاذاعة والتلفزيون وعمل في الإذاعة والتلفزيون الكثير فكان عندما يقف خلف المايكروفون كان يقف وكله احترام وإجلال للعمل الفني فكان واحدا من جيل قدم للناس اكثر مما اخذوا ولا يفكرون بالمردود المادي بل بالمردود المعنوي، لهذا ترى أولاده وأجياله يحترموه ويفتخرون به.
•هكذا كان راحلتا حتى صار نجما راسخا في ذاكرة جماهيره من رواد العروض المسرحية لفرقة 14 تموز للتمثيل وللمسرح العراقي منذ ان ترجل المسرح والى وفاته في 14/9/2020.

About alzawraapaper

مدير الموقع