من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون…قدم أول برنامج له بعنوان “زاوية الفن” عام 1957…الزوراء تستذكر الفنان التشكيلي الكبير نوري الراوي الذي تأسس على يده المتحف الوطني للفن الحديث

كتابة – جمال الشرقي

لم اكن اعرفه الا بعد ان التقيته في برنامج اذاعي واسع تم بثه في حينها لمناسبة ذكرى تأسيس اذاعة جمهورية العراق في تسعينات القرن الماضي وبث البرنامج بعد ربط الإذاعتين، إذاعة جمهورية العراق وإذاعة صوت الجماهير .
وجدته شخصية نادرة فعلا كان في حينها يشغل منصب مدير عام لاحدى دوائر وزارة الثقافة التي تعنى بالفن التشكيلي لا اتذكر اسمها بالضبط.
تحدث لنا عن تاريخ الاذاعة وما قدمته للفن من خدمات وبث في حينها مع مجموعة كبيرة من الشخصيات التي حددها لي الراحل عدنان الجبوري مدير عام دائرة الاذاعات العراقية في حينها .
واستمرت متابعاتي لهذا الفنان الكبير وقد حضرت العديد من نشاطاته .

نشأة الراوي والبيئة التي تغذى عليها
كيف بدأت مسيرتك الفنية، وفي أي فضاءات، وما أبرز المشروعات الثقافية التي أسهمت في إنجازها؟
يذكر الراوي في لقائه معنا في ذكرى تاسيس اذاعة جمهورية العراق في تسعينات القرن الماضي اذ قال :-
مسيرة حياتي موزعة بين العمل الفني والتأسيس الثقافي في ميادين متعددة. ففي الخمسينات من القرن الماضي هويت المسرح، وكنت عضوا في فرقة المسرح الحديث بإدارة المخرج يوسف العاني، كما كنت اتابع الاعمال المسرحية واكتب عنها نقديا. ثم اتجهت اهتماماتي الى النقد السينمائي، وكانت بغداد تعتمد على ما يردها من افلام عالمية ملحمية، منها افلام مأخوذة عن اعمال ادبية لكبار الكتاب في العالم، من بينهم تولستوي وديستوفسكي، وتصل مدة الفيلم الى نحو ست ساعات. مثل هذه الافلام الشهيرة فتحت بها هوليوود ابواب القرن العشرين سينمائيا، وكانت السينما تمثل كنزا معرفيا وجماليا بالنسبة لاهالي بغداد، يمضون ساعات في مشاهدة افلام تتناول قضايا الانسان ومصير البشرية، وكانت السينما فضاء حيويا يؤنسهم، قبل انتشار التلفزيون.
في دار السينما كنت اجلس واكتب في العتمة ملاحظاتي حول الافلام، وانقل الحوار الذي يظهر على شاشة صغيرة، وحين اخرج من السينما ارى السطور متداخلة، وابدأ قراءتها كما لو انني أفك رموزا أثرية، كانت تلك المرحلة مفعمة بالحياة.
في عام 1940 دخلت كلية الفنون الجميلة في بغداد، ولم اكمل دراستي فيها، بعد تخرجي في دار المعلمين، اذ كان عملي خارج بغداد، واصبح من الصعب التوفيق بين العمل والدراسة الجديدة في تلك الفترة، بعد ذلك دخلت معترك الحياة السياسية، وكان آنذاك خمسة احزاب، انضممت الى حزب الشعب، وهو حزب وطني تقدمي، ورئيسه عزيز شريف اصبح نائب رئيس مجلس السلم العالمي.
لم يكن العمل الفني وحده الذي يشغل حياتي، اذ صاحبته انشغالات أخرى، خصوصا انني دائم البحث عن المعرفة واطلاق مبادرات ثقافية جديدة، ففي عام 1945 اثناء عملي في التدريس، جمعت رسومات اطفال من مدارس متعددة في العراق، ودرستها لمعرفة كيف يرى الطفل العالم من حوله، وكيف يفكر، وما الذي يخيفه او يؤنسه. استقصيت في قراءتي للوحات الاطفال رؤيتهم وطريقة تفكيرهم، ونشرت هذا التحليل في مجلة «المعلم الجديد» التي كانت تصدرها وزارة المعارف في عام ،1945 وكنت بذلك فتحت بابا جديدا امام الاهتمام بمواهب التلاميذ وضرورة دراستها لمعرفة احلام الطفل وهواجسه.
أعماله
نوري الراوي فنان كبير حقق لنفسه شهرة عربية واوربية وله مراكز عديدة منها :
1956 عضو مؤسس لجمعية التشكيليين العراقيين.
1957- 1987 أعد وقدم برامج الفنون التشكيلية في التلفزيون العراقي.
1959 حصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة في بغداد.
1962-1963 حصل على زمالة دراسية في التصميم وديكور البرمجة التلفزيونية – بلغراد.
1962 – 1979 أسس وأدار المتحف الوطني للفن الحديث – بغداد.
1964-1979 زميل في جماعة الرواد الفنية برئاسة فائق حسن.
1967-1969 زمالة دراسية في إدارة وتنظيم المتاحف الفنية في المتحف الوطني للفن الحديث في لشبونه.
1967 عضو مؤسس نقابة الفنانين العراقيين.
1972- 1979 مدير المعارض الفنية بوزارة الثقافة والفنون.
1980-1984 مدير قصر الثقافة والفنون.
1982-1983 رئيس جمعية التشكيليين العراقيين.
1986-2001 عضو اللجنة العليا لمهرجان بغداد العالمي للفن التشكيلي.
1993 نال وسام الاستحقاق العالي بمرسوم جمهوري.
1998 رئيس رابطة نقاد الفن التشكيلي في العراق.
2003 رئيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين.
المعارض الشخصية
1978 المركز الثقافي العراقي – لندن.
1983 قاعة الرشيد -بغداد.
1984 بودابست – دابرتسن – هنغاريا.
1989 المتحف الوطني للفن الحديث – بغداد.
1993 قاعة بلدنا – عمان – الأردن.
1993 قاعة عين – بغداد.
1995 قاعة الأرمتان – باريس .
1996 قاعة الأروفلي – عمان الأردن.
1997 قاعة حمورابي– عمان الأردن.
1997 معرض مشترك مع ابنه رائد – شارلوت – نورث كارولينا – الولايات المتحدة.
1998 رواق عُمان للفنون وجمعية الفنون التشكيلية – عُمان – مسقط.
1999 قاعة اكاسيا – البحرين.
1999 قاعة أثـر – بغداد (المعرض الاستعادي الشامل).
2001 متحف الإبداع العراقي – بغداد.
2004 نقابة الفنون الجميلة – دمشق – سوريا.
2005 قاعة الأروفلي – عمان الأردن.
2010 قاعة الأروفلي – عمان الأردن.
2011 قاعة سلطان العويس – دبي – الأمارات العربية المتحدة.
المؤلفات والآثار الكتابية
1937 نشر أول كتاباته الأدبية والشعرية في الصحف والمجلات العراقية.
1940 نشر أول مقالاته الفنية في الصحف العراقية.
1952 أسس أول صفحة خاصة بالفنون في الصحافة العراقية واشرف على تحريرها في صحف (الزمان- والأخبار- وصوت الأحرار).
1962 تأملات في الفن العراقي الحديث – مكتبة الفكر الجديد.
1962 المدخل إلى الفولكلور العراقي – مركز الفولكلور العراقي في وزارة الارشاد.
1963 جواد سليم – مكتبة الفكر الجديد.
1965 الفن الألماني الحديث – مكتبة الفكر الجديد.
1966 العراق في صور.
1975 منعم فرات نحات فطري.
1986 اللون في العلم والفن والحياة.
1998 متحف الحقيقة، متحف الخيال.
1999 تأملات في الفن العراقي الحديث.
2007 أوراق ملونة من الفن العراقي.
2011 نشيد السلام.
2013 اثار لامعة على مراكض الزمن (دار الأديب للصحافة والنشر).
حياته وولادته
ولد في قرية راوه في الفرات الأعلى عام 1925، في أسرة كان هو آخر أبنائها. كان والده معمارًا حيث شيَّد جامع المدينة. نشأ الراوي في بلدةٍ صغيرةٍ في أعالي الفرات هي مدينة «عانة» حيث تلقى فيها تعليمه الابتدائي. وقد تركت هذه البلدة الريفية بمشاهد طبيعتها الساحرة وبيوتها وقِببها البيضاء وأنينِ نواعيرها الدائِرة بجريان مياه الفرات أثرًا عميقًا وبالغًا في إنتاجهِ الأدّبي والفني. وضلّ حُضورها يُلازم رسومه كرحلةٍ خياليةٍ تمتزجُ فيها هذه الصورِ الصوفيةِ بين شفافية الحُلمِ وخيوط الذاكرةِ.
في هذه المرحلة المبكرة من حياته 1933-1934 بدأ ميلوهُ الأدبّي والفنّي يرتسمُ من خلال نشاطاته المدرسية فقد كان خطيب المدرسة ورسامها.
انتقاله الى بغداد
في عام 1936 انتقل الى بغداد لإكمال دراسته في المدرسة الكرخية المتوسطة. خلال تلك الفترة أنصب اهتمامه الأدبي على الشعر المنثور حيث كان من أوائل من كتبوا قصيدة النثر على الصعيد العربي. وقد نشر عام 1937 تحت عنوان «4 يناير» و «إليكَ يا طائر الأجواء» في صُحفِ «بغداد» و «بالك» و«العدالة» .
وقام كذلك بنشر مقالاتهِ الأدبية في المجلات العراقية أولًا «الرافدين» و«المناهل» وبعدها في المجلات العربية «الأماني»، «العرفان» و«الأديب» التي تصدر في بيروت وفي مجلة «الرسالة» المصرية الصادر في عام 1940 بعنوان «فن يستيقظ» .
خلال هذه الحقبة الدراسية كان لقاؤه الأول مع «المرسم» حيث مارس الرسم بألوان الباستيل ثم اطلع خلالها على رسوم مشاهير الفنانين العالميين. انتقل بعدها للدراسة في معهد المعلمين في منطقة الرستمية خارج بغداد. وهناك فتحت أمامه أبواب جديدة على الرسم بمساعدة استاذيه بهجت عويشي وقاسم ناجي. في عام 1941 تخرج من المعهد وانتقل للتدريس في المدرسة الغربية في «عنه» ومن ثم ثانوية الرمادي. ومن طلبته في تلك الفترة التدريسية: سعدون غيدان وتايه عبد الكريم وعبد الرزاق سعيد النايف والشاعر يوسف نمر ذياب.
برامجه في الإذاعة والتلفزيون
بدأ الراوي إنتاجه التلفزيوني مع انطلاقة التلفزيون في العراق فقدم أول برنامج له بعنوان «زاوية الفن» عام 1957 ثم «مع الفنانين» في عام 1958 وتغير اسمه إلى «أعلام الفن» في عام 1959. ثم جُدد البرنامج وغُيرت صيغتهِ ليُصبح باسم «نافذة على الفن» في 1961. في العام 1962 أنتج برنامجا آخر مهمتهِ تقديم أعلام العِلم والثقافة في العراق بعنوان «قابلوا الموهوبين». ثم أنتج برنامجا آخر هو «آفاق الفن» في 1968 و«عالم الفنون» عام 1970. ومع تشعب وتوسع الاهتمام الفني اقتصر برنامجه «فنون تشكيلية» 1974 و«آفاق تشكيلية» 1984 على العناية بالفنون التشكيلية فقط.
تأسيس المتحف الوطني للفن الحديث
في بداية الستينيات انتقل الراوي للعمل في وزارة الإرشاد التي كانت تُعنى بالثقافةِ والفن. وكان يقوم بمهمة شِراء الأعمال الفنية لحساب الوزارة.كانت هذه المُقتنيات تضم أعمالًا للفنانين الرواد الأوائل مثل عبد القادر الرسام وجواد سليم وفائق حسن. وكانت تُخزّن في تلك الفترةِ في دائرة الآثار العامة في بغداد.
وفي عام 1960 تقدمَ الراوي بمذكرةٍ إلى وزير الإرشاد الدكتور فيصل السامر وبتأييدٍ من الدكتور طه باقر مدير الآثار العامة لغرضِ تخصيص مبنى ليضمَ هذه المجموعات من المقتنيات الفنيةِ وليكون بالتالي بمثابة نواةٍ لمتحف الفن الحديث في العراق.
في تلك الفترة كانت مؤسسة كولبنكيان تدعم مشروعاتٍ ثقافيةٍ وخيريةٍ في العراق آنذاك. وقد أهدت لأمانة العاصمة مبنى حديثًا ليكون مركزًا للفنون. وهكذا فقد توافقت الظروف لكي يتولى الراوي إعداد وتهيئة هذا المبنى ليصبح المتحف الوطني للفن الحديث. وقد تم افتتاحه من قبل الرئيس الأسبق عبد الكريم قاسم في عام 1962.
علاقة الراوي بمنعم فرات والفن الفطري
لم يكن الفن الفطري معروفًا في العراق في سنوات الستين. وكان الدكتور أكرم فاضل مديرًا للفنون والثقافة الشعبية قد اكتشف الفنان الفطري منعم فرات يبيع منحوتاته المرمرية الصغيرة على ارصفة شارع الرشيد في بغداد. فكان يشتري منه إنتاجه لحساب الوزارة ولكي يمكن له سبيل العيش.
ثم أدرج منعم فرات في وظيفةٍ حكوميةٍ بصفته «نقاشا» في ديوان وزارة الإرشاد. وقد حظي منعم فرات باهتمام ودعم كبير من الفنان نوري الراوي حيث انجز عنه كتابًا برفقة الدكتور أكرم فاضل بعنوان «منعم فرات».
الراوي يدمج بين اللوحة والشعر
نتيجة لقراءاته وحبه للشعر كان الراوي يحاول ان يمزج الرسم بالشعر فقد كان يكرس اللوحة بايات من الشعر لرؤية خاصة به وتحتضن لغته التشكيلية مفرداتٍ من الشعر وتتماثل فيها الألوان كإيقاعات موسيقيةٍ. فكل الفنون عندهُ هي روافد لمزيد من التجليات.
والملاحظ أن مدنه التي يرسمها تخلو من اي وجودٍ بشريٍ فهي قرى تبعثُ كالحلم يبث هو فيها روحاً شعريةً وموسيقيةً. لأن الراوي ليس ناسخاً للطبيعة وانما هو متأمل فيها فهو مثل كصوفيِّ وليس كآلة تصوير.
وعندما يضم إلى لوحاته ابياتاً من شعر الحلاج او ابن عربي او عمر الخيام فهي تأتي كإضافات تعبيرية من نسيج العمل وليست اقحاماً او لصقا خارجيا. إن الشعر عنده هو نغمة الأنسان الداخلية.
قالوا في الروي
لا شك ان مثل الراوي سيكتب عنه الكثيرون فهو الفنان الكبير المعبر عن مرحلة تاريخية كاملة في الفن وله من المنجزات ما تجعل الكتاب والمعاصرين والمحدثين يكتبون عنه سنتناول بعضا ممن كتبوا عنه لنعرف ما سجلته اقلامهم في حق راحلنا الكبير
علي العامري – الإمارات 2016
الفنان التشكيلي نوري الراوي لا يتوقف عن العمل، إبداعاً وتوثيقاً وكتابة، على الرغم من بلوغه الـ86 من العمر. يرسم بهمة شاب، ويتابع بهمة باحث، ويدقق بهمة مؤرخ. أسس متاحف عدة في بلده العراق، من بينها المتحف الوطني للفن الحديث، ومتحف الرواد، إضافة إلى إنشاء اول مصهر للبرونز للنحاتين.
الراوي الذي يعد من الجيل اللاحق لجيل الرواد في مسيرة الفن التشكيلي العراقي، يعتبر الفنان قائدا روحيا، يغذي الجمال في أرواح البشر.
أطلق الفنان «صرخة» لاتزال مدوية لانقاذ إرث بلاد وادي الرافدين، بعد الاحتلال، وكتب خمس مذكرات إلى منظمة اليونسكو، لحماية الارث الحضاري والتاريخي في بلد اصبح في مهب النهب.
د. رشيد الخيون 2014/07/20
نوري الرَّاوي أحد أبرز رواد الفن التَّشكيلي العِراقي، وهو مِن البقية الباقية مِن ذلك الجيل المؤسس، والرَّاوي – لمَن لا يعرف جغرافيا العِراق- لا صِلة له بالرِّواية مِن أحاديث أو أخبار، فهناك العديد ممَن أخذت أُسرته هذا اللَّقب، إنما راوينا هو نسبة لمدينة راوة، التي تقع في أعالي الفرات. ولد الرَّاوي هناك عام 1925،
سلمان الواسطي 2014/6/3
الإبداع مساحة مفتوحة لايحدها حد، مهما اتسعت ومهما بلغت في طيها للمسافات التي تشتعل فيها حرائق المبدعين .. أنهم يشعلون الحرائق في غابات أرواحهم التي لا تستقر إلا على قلقٍ .. وحين نقترب منهم بنشوة اكتشاف ذلك المجهول الذي يسكنهم .. تتطاير شظايا النار من تلك الحرائق ليمتد اشتعالها … لكن هذه المرة في غابات أرواحنا التي تسكنها لذة اكتشاف دهشة …
وفاته
أعلن في بغداد عصر اليوم الثلاثاء عن رحيل الفنان التشكيلي العراقي الكبير نوري الراوي عن عمر ناهز الـ 89 عامًا في مستشفى اليرموك في بغداد، الذي نقل إليه ، بعدما زاد تدهور حالته الصحية.

About alzawraapaper

مدير الموقع