من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون…ساهم في الفرق الفنية المسرحية الأهلية منذ عام 1969…فنانون معاصرون يشاركون الزوراء بآرائهم عن مسيرة الفنان الراحل عزّ الدين طابو

كتابة – جمال الشرقي

هو واحد من من ابرز الفنانين الذين تميزوا بحس خاص ورهافة قل نظيرها الى حد أن كان سبب مرضه ابتعاده عن الفن سنوات معينة إضافة لقلة مقتنياته ومصادره المادية كانت من اهم المؤشرات التي تم تأشيرها على هذا الفنان الكبير .. شغف العيش وقلة الاعمال الفنية وضعف النشاطات كلها كانت سببا في مرضه وربما موته . انه الفنان عز الدين طابو الذي نذر نفسه للفن ومن اجل الفن وكل هذا يتاكد في الأحاديث التي سجلتها الزوراء لعدد من الفنانين المعاصرين له والذين كانوا يعرفون الكثير من تفاصيل حياته .

ولد الفنان الكبير عز الدين طابو في مدينة العزيزية عام 1945 وتوفي في بغداد (2010).
عز الدين الحائز على شهادة البكلوريوس من اكاديمية الفنون الجميلة كان قد شارك في معظم نشاطات الكلية اضافة الى مساهماته الواسعة في الفرق الفنية المسرحية الاهلية ومنذ عام 1969 شارك في العديد من المسلسلات التلفزيونية والف عددا من المسرحيات اهمها (ثرثرة قد تهمك او لا تهمك) اضافة الى كتابته للمسلسل الاذاعي (مشيجيخات ولد العم) وقد اختتم حياته الفنية بنشر مذكراته المعنونة (لواعج فنان) وقد عبر فيها عن كل ما يجول في خاطره باحساس كبير .
ابرز اعمال عز الدين الفنية للاذاعة والتلفزيون والمسرح:
للراحل حضور يشهد له الجميع فهو الفنان الذي كنا نراه في اروقة الاذاعة والتلفزيون دائما وقد كتب للإذاعة العديد من الأعمال. كما شارك في عدد من الأفلام السينمائية العراقية نذكر منها: (اللوحة) للمخرج كارلو هارتيون، و(الملك غازي 1993) للمخرج: محمد شكري جميل.
وقدم عددا كبيرا من المسلسلات التلفزيونية نذكر منها: (ذئاب الليل) الجزء الثاني، و(عالم الست وهيبة)، و(المسافر)، و(نادية)، و(حكاية جامعية) وغيرها. كما شارك في معظم مسرحيات الفرقة القومية للتمثيل وتميز بأدائه المسرحي، وكان من الممثلين المعروفين والمشهورين إضافة الى فصاحته، ومن المسرحيات التي قدمها: (الغريب) لمخرجها الراحل : جعفر علي ، و(لامناك ولا منا) لمخرجها: حيدر منعثر، وغيرها.
الطابو يسجل مذكراته للعتابي:
من اكثر الكتاب والصحفيين الذين تناولوا حياة عز الدين هو الكاتب والصحفي عبد الجبار العتابي الذي واكبه لفترات طويلة وسجل له الكثير من وقائع حياته والتي حملت عنوان (لواعج فنان) ونُشرت وكانت الأكثر جرأة كما انه أول فنان عراقي ينشر مذكراته بصراحة وصدق، ولكنه كان يتمنى ان تكون في كتاب.
يذكر العتابي في كتابته عن الراحل ان هذه الرغبة التي اراد المخرج الكبير قاسم محمد ان يحققها له، لكن رحيل قاسم محمد حال دون ذلك، وظلت المذكرات مشتتة حسب قول العتابي لكن هذه المذكرات دفعته للكتابة للمسرح والتلفزيون فكتب مسرحية (ثرثرة قد تهمك او لا تهمك) أخرجها ثامر الشكرجي ومثلتها فرقة أور في مدينة كولون الالمانية.
ومن الذكريات والمصادفات المهمة التي يذكرها العتابي ان قال :- حلق ابو العز شعر رأسه اثناء اشتراكه بمسلسل (المسافر) .. وبهذا يكون طابو هو اول ممثل عراقي يحلق شعره (على الزيرو) ورفض ان يرتدي (صلعة الاكسسوار) وكان ذلك مع المخرج (فلاح زكي) في مسلسله (المسافر) بين عامي 1987 – 1988 الذي كان بطله الفنان (كاظم الساهر) الذي أثنى كثيرا على إرادة طابو، كما انه تعرض في هذا المسلسل لجرح بليغ في رأسه لكنه طلب ان يستمر التصوير.
عز الدين طابو يروي قصة حياته
يبدو ان الراحل طابو كان قد روى للصحفيين والكتاب قصة حياته في مذكرات مليئة بالحزن اذ قال … عشقت الفن من صغري لكنني قررت أن أحث الخطى في الفن مثلما أحث الخطى في الدراسة متمنيا أن أجعل من نفسي شيئا ولو بسيطا في عالم الفن، فقررت الانتماء عام 1964 الى مجموعة فنية يطلق عليها (مجموعة طارق حسن) ابن محلتنا والموظف في وكالة الأنباء العراقية آنذاك، وكنت أنا حينها طالبا في الصف الرابع الثانوي، كانت باكورة أعمالنا برنامجا تلفزيونيا عنوانه (في الطريق) من اعداد طارق حسن واخراج حسين رشيد، وكانت حصة الاسد من حلقاته لي فمن مجموع أربع حلقات قدمناها كانت ثلاثا من بطولتي، والبرنامج كان تربويا توجيهيا ولكنه تمثيل.
واضاف: نفذنا الحلقة الأولى وبثّت على الهواء مباشرة بعد بروفات كثيرة متعبة ومرهقة جدا طوال النهار، ونالت الحلقة نجاحا باهرا وكان هذا اليوم بالنسبة لي يوم العمر وما أجمله من يوم، خرجت من مبنى الاذاعة والتلفزيون في الصالحية الى الشارع بمكياج وملابس التمثيل، كنت اتعمد السير من أمام المقهى لأحصل على كلمات الاعجاب والاستحسان، مرة اسمع ما لا يمكن أن يكتب فأغض الطرف والسمع عنه، ومرة اسمع كلمات جميلة مشجعة، المهم .. وصلت الى محلتي مشيا على الأقدام من الصالحية، واذا بشباب المحلة كانوا بالانتظار لي وعلامات الاعجاب بادية على وجوههم فبارك من بارك و(سطرني) من سطرني على رقبتي كنوع من اظهار الاعجاب بهذه الطريقة العراقية (السطرة ضربة خفيفة على الرقبة من الخلف).
واستطرد أبو العز: ودلفت الى بيتي وصرت وجها لوجه مع اختي الكبيرة (الحاجة صبرية) رحمها الله، التي صرخت بوجهي قائلة (عزا ..شيخلصك من اخوك عبد الاله؟ شافك بالتلفزيون لو انكلبت الدنيا، قم .. قم امعزة لا تصير كدامه تره متحلّف لك!!)، فكان جوابي لها: (ليفعل ما يفعل .. ماذا فعلت أنا؟ هل ارتكبت جريمة؟ الا يعرف أن الفن حضارة وثقافة؟) ثم طلبت منها تهيئة الطعام لي، ذهبت اختي لإعداد طعام العشاء بينما توجهت أنا الى الحمام لأغسل المكياج من وجهي، ثم عدت أدراجي الى المطبخ لأخذ مقعد (تختة)، واذ كنت منهمكا بتناول العشاء واذا بي اتلقى ضربة قوية على ظهري، جعلتني اصرخ بلا وعي: لماذا ..لماذا ؟ فأجابني صوت أخي عبد الاله: اسأل المكان الذي اتيت منه، والله اذا رأيتك مرة أخرى سأنهي حياتك، ثم تركني وذهب ونهضت متوجها الى الحمام مرة أخرى لأغسل مرقة الباميا التي صبغت قميصي الابيض!!، واذ كنت أقوم بالغسل اطلت النظر في المرآة متفحصا وجهي، مقطبا تارة ومغلقا عيني للنصف تارة أخرى مع ابتسامة خفيفة متخيلا نفسي اعتمر قبعة كقبعة ممثلي الكاوبوي الامريكان وقلت في نفسي وكأن الذي حصل لي قبل قليل يجعلني اتخذ موقفا من أخي حقيقة، نسيت أمام الحالة الجديدة التي طرأت لي ما حدث، وسرحت مع كاري كوبر ، واذا بي اتلقى ضربة ثانية اقسى من الأولى هذه المرة حيث تطاير زجاج المرآة في وجهي وقد قذفني أخي عبد الاله بيد (الهاون) الحديدي الذي لولا انحرافي قليلا لكان في رأسي !!، ولكن الله قدر ولطف، ولم أجد الا أن اصرخ قائلا (كافي عاد .. ثخنتها ما تقلي اشسويت حتى شديت وياي هاالشدة..؟ ، كافي عاد، كافي هاي انت ابن مدارس ومثقف لعد ما اعيب على………!!) ، وفي هذه اللحظة ارتد عن غيه ودلف الى غرفته بدون أن يقول اية كلمة، وذهبت الى غرفتي وأنا في حالة غيظ يرثى لها.
واضاف أيضا: وبعد وقت ليس بالطويل جاء الى غرفتي، وما زلت على تلك الحالة متأسفا على الفرحة التي لم تدم، فبادرني قائلا: (عزي.. الناس اكلت قلبي) فقلت له: الناس بيت البلاء، لكنه قال: مع ذلك اطلب المعذرة منك.. كانت صورة غضب ليس الا!.
حياته الاجتماعية
كان عز الدين يشعر بنفسه وحيدا في محنته، ليس هنالك سوى الغرفة التي يرقد فيها وابنته دعاء تدور حوله وام دعاء التي ليس لها حول ولا قوة… ان احواله المادية كانت صعبة جداً، حيث عاش طول المدة الماضية على راتبه التقاعدي، ثم ينظر ويقول بحزن: (متى تلتفت الحكومة الموقرة لمظلمة الفنان العراقي لرفعها، ورفع الحيف الذي أمرضه وقلل من هيبته أمام ما يأخذه الممثل خلف الحدود في الدول الأخرى، وما تضخ عليه من مدنيتهم وحضارتهم من وسائل الراحة والمتابعات اليومية وتكفلها بما يضمن بقاءه ووجوده من الناحية الصحية والاعتبارات الاجتماعية). وعاش طابو في السنوات الأخيرة من حياته في وضع صحي ومعاشي قاسٍ لرفضه المشاركة في الأعمال التي لا يقتنع بها حفاظاً على تاريخه الطويل.
هكذا عاش فناننا الكبير طابو ثم توفي طابو بعد صراع طويل مع مرض عضال ألم به منذ عدة سنوات. حيث رحل صاحب الصوت الاجمل في المسرح والدراما العراقية ظهر يوم الخميس 30/ ديسمبر/ 2010م تاركاً خلفه أرثاً فنيا نفتخر وتفتخر الاجيال التي ستليه به.
فنانون معاصرون يتحدثون للزوراء عن مسيرة الراحل
المخرج عزام صالح
عز الدين طابو من الفنانين الذين تميزوا بثقافتهم وامكانيتهم الادائية كونه ممثلا متمكنا من ادواته وله كاركتر خاص مما جعله مطلوبا من المخرجين في ادوار الشر خصوصا رغم انه سلمي والطيبة كانت تصاحبه في حياته. طموح وصاحب مشروع حقق جزءا منه ولا يزال جزءا لم ينجزه وهذه هي حال الدنيا شاهدته في المسرح بجسده وحركته الرشيقة وصوته الرخيم الذي يضفي على شخصه الجمالية في الاداء عمل معي في احد اعمالي وكان مثالا للالتزام واستاذا في اداء دوره يمتلك عزة نفس كبيرة كنت قريبا منه وكان صديقا جميلا نمزح سوية رحمه الله كان من الرواد الذين ارسوا دعائم الفن العراقي المسرحي تميز في المسرح والدراما التلفزيونية والاذاعة والسينما رحمه الله واسكنه في علاه.
الدكتورة عواطف نعيم
اولا شكري وامتناني لجريدة الزوراء الغراء التي تستذكر المبدعين من فنانين وتشكيليين ومثقفين .
لقد كان الفنان الراحل عز الدين طابو عندما يقف على المسرح نراه عملاقا بادائه وبصوته الجهوري المتميز وكان يتسيد المسرح عندما يقف على خشبته وكان كما كنا نقول دائما ان عز الدين عندما يقف خلف المايكرفون فانه ملك المايكرفون . لقد كان رحمة الله على روحه فنانا بمعنى الكلمة وانسانا يحمل كل الصفات الحميدة وكان عزيز النفس رغم حالته المادية البسيطة اذ كان يعتاش على راتبه البسيط وعاش عزيزا ومات عزيزا رغم المرض الذي الم به رحمة الله ورضوانه عليه .
الفنان مناف طالب
شكرا لجريدتكم .. اولا اقول ان عز الدين طابو ساهم بشكل كبير في بناء الحركة الفنية في العراق وكان دؤوبا في عمله وكان يتحسس بكل حالة فنية ويتقمص الشخصية بكل تقنياتها ويحب الاخرين . كان عز الدين طابو الغائب الحاضر بيننا مع الاسف قتله الفقر وقد عانى ابتعاده وتقاعده عن الفن وعن السينما التي فارقتنا منذ زمن طويل وكانت احد اسباب مرضه وموته . رحمة الله على روحك عز الدين خسرناك لولا مشيئة الله وخسرت نفسك تضحية ومحبة لفنك الاصيل .
الكاتب عبد الجبار العتابي
عبد الجبار العتابي :
لا يمكن ان يختلف اثنان من المتابعين للفن العراقي بشخصية الممثل عز الدين طابو (1945 – 2010) ويكاد يكون استثناء بين الممثلين العراقيين بالكثير من الصفات التي يتمتع بها لا سيما صوته الجهوري الذي كان علامة فارقة له في المسرح والاذاعة، فضلا عن كونه ممثلا أدى ادوار الشر بالشكل الذي جعله في الصف الاول من الممثلين الكبار وهذا ما جعله مكروها من قبل الناس وتسبب في العديد من المشاكل له في الشارع العراقي، وقد تعرض الى اعتداءات من قبل مواطنين لاعتقادهم انه شرير فعلا، وهذا دليل على انه فنان غير عادي وانه كان قريبا من المجتمع العراقي.
خلال سنوات طويلة كنت قريبا جدا من الفنان الكبير عز الدين طابو وعرفته عن كثب ووجدته انسانا رائعا لا يشبه اي دور من الادوار التي اداها، فهو طيب الى حد كبير ودمعته قريبة من جفونه وقلبه يرتجف ازاء اي حالة مؤلمة، لذلك وجدت ان اسجل ذكرياته في كتاب هو من اختار له العنوان (لواعج فنان) فكان الكتاب عبارة عن هموم وآلام ومعاناة فنان عاش ازمنة مختلفة ومع اشخاص اضروه وآذوه واحبوه، فكنت سعيدا انني نشرت الكتاب وفاء له وكان الكتاب دروسا في الفن والحياة وفيه الكثير من العبر التي يمكن ان تفيد الفنان مثلما تفيد الانسان العادي وتعرفه بما يجري في الوسط الفني.
ابو العز.. عانى كثيرا في حياته الفنية وحياته الاعتيادية، لكنه كان صبورا وقنوعا الى درجة كبيرة ، حيث انه كان يبكي لوحده ويشكو لنفسه ولم يمد يده لاحد ولم يتنازل عن قيمه ومبادئه.
عز الدين طابو.. فنان استثنائي يمكن ان يكون مدرسة في الاداء، لو كانت لدى الوسط الفني قيم وتقاليد، رحمه الله، فهو صديقي الحبيب الذي اتذكره يوم وفاته كل عام واكتب عنه لما يستحق.
• الرحمة والغفران لراحلنا الفنان عز الدين طابو الذي ضحى بالكثير من حياته وراحته فحقق فعلا تاريخا رائعا في الفن والالتزام.

About alzawraapaper

مدير الموقع