من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون: بدأ مجودا للقران ومؤذنا في الجوامع … تروي قصة حياة الفنان فاضل عواد صاحب الصوت والغناء العراقي الأصيل

كتابة – جمال الشرقي :

 

في اواخر ستينيات القرن الماضي وفي بداية سبعينياته برز اربعة مطربين عراقيين استطاعوا باصواتهم وكلمات اغانيهم ان يلفتوا اسماع العراقيين كان اولهم ياس خضر الذي غنى ( الهدل ) وكان حسين نعمة الذي غنى يا نجمة وكان فؤاد سالم المطرب البصري الذي لفت اسماع واذهان العراقيين باوبريت يمثل الفلاح العراقي وحبه للارض الزراعية وفاضل عواد الذي غنى ( لا خبر) كانت كلها اغاني جديدة على اذان الناس تفاعلت معهم نتيجة اختيار الكلمات النابعة من صلب حياة الناس إضافة الى انها مثلت اللحن الجديد بعد ان تعود المستمعون على اغاني الريف من داخل حسن وحضيري ابو عزيز وناصرحكيم، اما عربيا فكان فريد الاطرش وعبد الوهاب وام كلثوم قد غزوا كل اذاعات الوطن العربي .

 

وفي العدد السابق من جريدة الزوراء كنا قد ذكرنا ان الفنان الكبير سعدون جابر قد ناضل وابدع حتى تم فرضه كمطرب خامس . واليوم نتناول سيرة حياة الفنان فاضل عواد الجنابي .
هو مطرب عراقي مشهور من مواليد بغداد – مدينة الحرية في عام 1942، واسمه الكامل (فاضل عواد أحمد الجنابي) يمتلك صوتا جميلا ودافئا ويجيد الغناء باللون البغدادي والريفي، وهو حاصل على شهادة (الدكتوراه في الأدب العربي) من الجامعة المستنصرية، لذلك كان قد أجاد نظم الشعر الفصيح إلى جانب الشعر الشعبي، لحن الكثير من الأغاني، ومن اهتماماته الأخرى الضرب على الايقاعات والأداء الصوفي إضافة إلى العزف على آلة العود.
بدأ صباه قادرا على تجويد القران الكريم واشتهر بصوته الجميل فتم اختياره مؤذنا في جوامع منطقته خاصة عند انتقاله الى التربية الاسلامية فصار مؤذنا باختيار استاذه عبد العزيز البدري ودرس على يد استاذه حميد الشيخ يعلمه القراءة والسلوك .
في مراحله الابتدائية والمتوسطة شارك فاضل في الكثير من نشاطات مدارسه وكان قد بدأ بتقليد بعض المطربين تخرج فاضل عواد من الثانوية بدرجات عالية. وعلى الرغم من ذلك، قدم في 1965 للدراسة في معهد إعداد المعلمين قرب قبر الملك في الأعظمية. خريج هذا المعهد يصبح معلم ابتدائية، لا أكثر. وعندما لاحظ مدير المعهد خليل أحمد جلو معدله العالي الذي يخوله دخول أية كلية يشاء في جامعة بغداد، أوشك أن يرفض قبوله في المعهد لولا تبرير فاضل بقوله، أنا من عائلة فقيرة محتاجة. في هذا المعهد يوجد قسم داخلي مجاني، الذي سيوفر على أهلي مصاريف أكلي وشربي وسكني. بالإضافة إلى ذلك، أستطيع إرسالهم الخمسة دنانير راتبي الشهري الذي ستمنحوه لي خلال دراستي ، وخلال دراسته كان فاضل عواد كثير الغياب بسبب انشغاله بالإذاعة والتلفزيون ولكن، عندم جلبه المعاون ليواجه مدير المعهد خليل جلو لغرض فصله من المعهد لتجاوز غياباته الحد المقرر، رفض خليل جلو توقيع قرار فصله بعد أن اطلع على الدرجات العالية التي كان فاضل عواد يحوز عليها. من بعد ذلك، تم استثناء فاضل عواد من الالتزام بحضور الدروس ما دامت درجات امتحاناته لا تزال عالية.
بداية عام 63 تقدم فاضل الى ركن الهواة من خلال اغنية اردنية اسمها (اهلا وسهلا بعودة الاحباب) فنجح في الاختبار وصار منشدا في كورال البرنامج وقد تعلم فاضل من هذا البرنامج الكثير من اصول الموسيقى والغناء وحفظ العديد من الوان الغناء فغنى اولا لمعن دندشي (اهلا وسهلا بعودة الغياب) وبعد ان نال رضا اللجنة ثبته الراحل كمال عاكف كعضو في ركن الهواة وبهذا كان فاضل عواد اول من قلد الاغاني الكويتية وجعل الناس تتعرف عليها ومن خلاله قلدتها الفرق الغربية التي كانت في بغداد انذاك ( كومي اوكفيلي وارفعي البوشية . خليني اروي ضاميه العطشان )
كان فاضل عواد يعيش في كنف عائلة فقيرة مما جعله يختصر دراسته للحصول على عمل سريع ففي عام 1965 معهد المعلمين في الاعظمية ثم تخرج عام 1967 وعمل معلما في مادة النشيد في مدينة الصدر وبعد ان نضجت تجربته الغنائية قليلا تعلم العزف على العود اثناء دراسته في معهد المعلمين حصلت الانتقالة الاولى المهمة في حياته فاحترف الغناء فتقدم الى فرقة الانشاد في الاذاعة والتلفزيون فتم قبوله منشدا في الفرقة وكانت عام 1968 ومن خلال تواجده في فرقة الانشاد تعرف على العمل الفني اكثر وتعمقت تجربته الموسيقية خاصة خلال تواجد كوكب حمزة العازف على الناي حينها وفي تلك الفترة اقيمت حفلة غنائية في احد نوادي الكاظمية ومن خلال تلك الحفلة زاد التعارف بين كوكب وبين فاضل عواد .
نهاية عام 1968 غنى فاضل اغنية مهمة غيرت مجرى حياته وصارت تلك الاغنية تردد على السنة الناس وهي الاغنية التي سمي فاضل بانه مغني ( لا خبر لا جفيه لا حامظ حلو لا شربت ) وتبدأ هذه الاغنية من خلال ملحنها حسين السعدي اجازتها من الاذاعة لتاديتها فلم يستطع وبقي فاضل يسعى للحصول على اجازة لتلك الاغنية ومن خلال ياسين الراوي مشرف قسم الموسيقى في الاذاعة انذاك فظهرت الاغنية للناس ونجحت نجاحا باهرا وتمت اجازة بثها للناس بعد ان تم رفضها لخمس مرات ولكنها قدمت من خلال برنامج الهواة .
ومن خلال بثها حققت تلك الاغنية نجاحا كبيرا فصارت الاغنية الشعبية للناس في الاعراس والمناسبات .
اغنية لا خبر استطاعت ان تهز الوجدان العراقي مثلما هزته اغنية سمر سمر للراحل رضا علي .
بعد نجاح اغنية لا خبر اشتهر فاضل عواد وصار مطرب المرحلة حينها ولربما غطى على ياس خضر وحسين نعمة ولكن تلك الاغنية صارت من جانب اخر عبئا على فاضل فقد تناوله النقاد والكتاب والملحنين بالانتقادات على انها اغنية بسيطة فدخل فاضل في تحد جديد لاثبات جدارته فاضطر الى اللقاء مع الملحن طالب القرغولي الذي بدأ رحلته اللحنية باغنية ( اتنه اتنه وانت نفسج ما تنيتي ) .
عندها استطاع فاضل ان يكسر طوق التحدي وينجح من جديد فالاغنية ذات عمق موسيقي ونجح فيها فحصل على حب النقاد والجمهور ايضا .
واستمر فاضل عواد بزيادة رصيده الغنائي وذلك من خلال تعاونه مع الملحن الراحل محمد جواد اموري فلحن له اغنية ( يانجوم ) واستمر فاضل معتمدا على نفسه في تطوير نفسه وزيادة رصيده الغنائي وهكذا رسخ اسمه بين كبار مطربي الغناء في سبعينيات القرن الماضي فلونه مختلف عن غيره وحنجرته امتلكت الطبقة العالية والمنخفضة وابرز ما كان يتميز به دفء الصوت والاداء الراقي .
وهكذا يكون د.فاضل عواد مطرب من أهم مطربي الاغنية السبعينية بسبب تميز صوته بشجن اخاذ وعذوبة لا تخطئها الاذن ابداً.. فاضل لعبت لا خبر دوراً في شهرته نهاية الستينات من خلال اغنية (لا خبر) ذائعة الصيت.. هذه الاغنية مثلما اسلفنا لحنها الفنان الراحل (حسين السعدي) بنفسه لكن الاذاعة رفضتها فقدمها وحصل على موافقة لبثها باعتبار ان برنامجه للهواة وليس للمحترفين وحين بثت الاغنية انطلقت في سماء الشهرة والمجد وجعلت فاضل عواد من أشهر مطربي العراق وقدمتها إحدى الاذاعات أكثر من عشرين مرة متتالية.. وهكذا صعد نجمه على نحو لم تشهده الاغنية العراقية مع مطرب اخر.. د.فاضل عواد قدم بعد ذلك باقة من أجمل الاغاني العراقية مثل يانجوم صيرن كلايد وياشموع واتنه اتنه وحاسبينك وهلو وامنة نهل وغيرها..
في اواخر التسعينات قرر فاضل مغادرة البلاد ولانه يحمل شهادة الدكتوراه في اللغة العربية سافر إلى ليبيا للتدريس في جامعاتها. بدأ الغناء هاوياً في حدائق السكك ببغداد مع زميله الفنان «سعدون جابر» وتقدم إلى برنامج ركن الهواة عام 1967 لينضم إلى الكورس الغنائي لفرقة الأنشاد العراقية وحقق حلم حياته بالوقوف خلف المطرب العراقي الكبير «محمد القبانجي» .
قدم الكثير من أعماله الغنائية باللغة الفصحى، وكانت لديه مواويل باللغة الفصحى، وسجل للاذاعة عملاً غنائياً لإحدى قصائد الشاعر العربي ابن زيدون .
كذلك ألف وأنشد القصائد الصوفية في التكية القادرية الكسنزانية، وبقي منشدا هناك من سنة 1978 – 1987 ثم عاد إلى الانشاد مرة أخرى سنة 1995.
عند بداية التسعينات كانت الساحة الغنائية تشهد تغيراً كبيراً وظهرت في موجة جديدة من الغناء الحديث أدى إلى بزوغ أسماء جديدة في الساحة الغنائية وأفول نجم فاضل عواد وزملائه مثل ياس خضر وحميد منصور وحسين نعمة وسعدون جابر الذين سيطروا على ساحة الغناء العراقي خلال فترة السبعينيات ومعظم فترة الثمانينيات.
وبسبب تدهور حالته المادية وعدم الاهتمام به من قبل المسؤولين ذلك الوقت هجر فاضل عواد الغناء واتجه للعمل في مجال التدريس في ليبيا للفترة بين 1995 ـ 2005. وقد أثرت الغربة كثيراً على حياته كثيرا، ومع أنه ترك الغناء هناك إلا أنه ظل ينظم الشعر واخذ ينشر قصائده في جريدة «الدرونيل» في مدينة بني وليد الليبية واشترك في كثير من المهرجانات الشعرية، وكذلك اشترك في عمل فني مع مؤسسة الاجاويد الفنية في طرابلس التي يديرها الاعلامي المعروف علي الكيلاني قدم في مهرجان القاهرة للكرافيك، عاد عام 2005 إلى العراق .
فاضل عواد دكتوراه في الادب العربي
كذلك تميز فاضل عواد عن أقرانه من المطربين بحصوله على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من الجامعة المستنصرية. وهو صاحب الأغاني الشهيرة «لا خبر» التي غناها مطربون عرب، وكذلك «حاسبينك» الأغنية الأكثر شهرة في العراق، ويطلق عليها البعض تسمية «النشيد الوطني»، إلى جانب مئات الأغاني الشهيرة، ومنها «يالجمالك سومري» و«عليك اسأل» و«اتنه اتنه» وفقاً لما رصدته الصحيفة.
وفي عام 2005، عاد المطرب العراقي فاضل عواد إلى العراق مرة أخرى، وبدأ في دراسة البلاغة والأدب العربي الإسلامي حتى نال شهادة الدكتوراه في الادب العربي.
تحية للمطرب الكبير فاضل عواد اينما يكون عنواننا للفن العراقي الاصيل .

About alzawraapaper

مدير الموقع