من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون: الموسيقي فالح حسن لـ “الزوراء” : أول مطرب عزفت له سلمان المنكوب وآخرهم رعد الناصري

كتابة – جمال الشرقي

اكاد اجزم ان الموسيقي فالح حسن هو ابرز الموسيقيين واكثر تواجدا في الحفلات وتسجيل الاغاني التي تقام وتسجل في استوديوهات الاذاعة والتلفزيون . خاصة اغاني المطربين الريفيين حتى صرنا نقرن وجوده بوجود الراحل داخل حسن وحضيري وغيرهم فهو الموسيقي الذي بدأ رحلته مع اول مطرب ريفي اسمه داخل حسن واخر مطرب قبل ان يعتزل العزف مع الفنان الشاب رعد الناصري.
في اجواء ميسانية وريفية بحتة ولد الفنان فالح حسن المطيري المحمداوي في محافظة ميسان في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي ونشأ وترعرع في أرضها وتحت سمائها حيث الطبيعة الخلابة ورائحة العنبر وأسراب الطيور والمشاحيف المنسابة في مياه أنهارها وأهوارها وهي تشق طريقها وسط أغصان البردي المتعانقة وكذلك ليالي السمر في مضايفها الجميلة حيث الحكمة والموعظة والشعر والطرفة والمواويل والأصوات الفطرية الجميلة المعبرة عن واقع وهموم الناس.

وسط تلك الأجواء نشأ فناننا حيث بدأت هذه الأنغام تحدث وقعا في قلبه ووجدانه وبدا كأنه يملك حسا مرهفا وأذنا موسيقية مكنته من تلقف الأنغام والأطوار التي كان يرددها المطربون آنذاك حيث لم تكن آلة الكمان تستعمل في الغناء وكان الإيقاع يتم بالنقر على الصينية.
ولحبه الشديد للطرب الأصيل سعى الفنان فالح حسن إلى ولوج هذا العالم من بابه الواسع كعازف وخصوصا أن نضجه الموسيقي واكب وجود عمالقة الغناء الريفي أمثال حضيري أبو عزيز وناصر حكيم وداخل حسن وهكذا أصر على تطوير وصقل موهبته أكاديميا فتعلم أصول العزف على آلة الكمان في (معهد الأمل) ببغداد وبدأ في ولوج هذا العالم الواسع بالاشتراك مع الفرق الموسيقية كعازف رئيس حيث برع وتفرد بين أبناء جيله و عرف عنه إلمامه ومعرفته التامة بأسرار كافة أطوار الغناء الريفي واتقانه الشديد لمقامي الصبا والبيات والتي ترتكز عليهما معظم أطوار الابوذية وبدأ منذ ذلك الحين عطاء هذا الفنان الأصيل والمبدع فاعطى للكمان كل موهبته ووقته.
فالح عازف المطربين
كل من يتابع فن الريف العراقي يعرف جيدا ان تاريخ هذا الفن يمتد لسنوات طويلة فالمرحلة التي برز فيها داخل حسن ربما تمتد الى الستينيات من القرن الماضي كذلك مرحلة بروز المطرب سلمان المنكوب وحضيري وفي تلك المرحلة برز الفنان الموسيقي فالح حسن عازف الكمان المعروف يعزف لاولئك المطربين الذين رحلوا مخلفين وراءهم كل هذا الثراث الغنائي الريفي ورغم كل هذه السنين بقي اسم فالح حسن وما زال يملأ الذاكرة الشعبية العراقية ، لاسيما الفنية منها ،حيث انه يمتلك تاريخا يمتد الى مسيرة كل المطربين العراقيين تقريبا من مختلف الاجيال على مدى خمسة عقود على الاقل ، وهو يشخص بآلة الكمان عازفا مميزا ببراعته ، قبل ان يصيبه العمى ويفقد ناظريه ويعيش حالة من الاسى والمعاناة ، لكنه ما زال يشخص في العيون بصورته المؤثرة ، نال شهرة توازي شهرة بعض المطربين وتجاوز البعض منهم ، انه ذاكرة ثرية وعفوية وصريحة ، ومخيلة خصبة ، ذاكرة مترعة بالذكريات الدقيقة بتفاصيلها
متى فقد فالح النظر؟
فقد فالح نظره في نهاية عام 1985 ، والسبب هو انفصال الشبكية ، ويؤكد فالح في اتصال اجريناه معه انه عندما فقد نظره وقتها قال له الاطباء عليه ان يسافر فورا الى لندن لاجراء عملية جراحية هناك ، وبالمصادفة يقول فالح:- كانت لديّ حفلة مع الفنان سعدون جابر في لندن ، وبعد شهرين سافرت الى لندن على نفقتي الخاصة بعد ان بعت بيتي وسيارتين كانتا لدي وكل ما املك ، وفي لندن قال الاطباء (لا يوجد امل) ، وحين اردت العودة الى العراق قال لي احد الاصدقاء هناك ان طبيبا اميركيا اختصاص بالعيون جاء الى لندن وانه سيتكفل بتكاليف العلاج، فعرضني على الطبيب الذي قال ان هناك املا بسيطا ، وقال صاحبي لا بد من العملية واجريتها ، وعدت ارى ولكن قليلا، وبعد العودة الى بغداد راجعت الطبيب الذي كان طلب مني ان اسافر ، وذكر ان معه كان يجلس الفنان محمد القبانجي ، فقلت له وانا فرحان : (دكتور صرت اشوف الصورة التي وراء ظهرك زين)، فقال بسخرية: ( موزين .. خليناك تشوف) ، هذا بدل ان يعاين عينيّ ويعطيني علاجا ، وعلى الفور انتابني الغضب فنزل بهما ماء فأصابني العمى .
الفرق الفنية التي عمل بها
فالح حسن ؟
يذكر الفنان الموسيقي فالح حسن في الكثير من مقابلاته ولقاءاته انه كان رئيسا لفرقة سعدون جابر ، وسافر معه الى العديد من الدول الاوربية والخليجية ، كما ذهب معه الى مدينة ليبية اسمها (سبها) رملية وحارة جدا ، ولكن بعد ان فقد نظره جاء بـ (كمنجاتي) اخر.
علاقة فالح حسن وبداياته مع الموسيقى والة الكمان
دخل فالح الى معهد الامل للمكفوفين عام 1952 وكان نظره جيدا ، وحين تخرج من المعهد بداية عام 1958 لم يكن يملك شيئا فاشترى دنبك (طبلة) واشتغل مع مطربي الريف انذاك وكانوا يعطونه اجورا قيمتها (250 فلس) عن كل حفلة ، ثم زادت الى (500 فلس) ثم صعدت الى دينار واحد ، وقال لنا في اتصالنا معه بعد ان عرفنا بتردي حالته الصحية التي لا تسمح له باجراء اللقاء المباشر انه بدأ عازف ايقاع ، عمل لمدة اقل من سنة وحاول ان يجمع مبلغا من المال اشترى به (كمنجة) ، بعدها بدأ يتجول في مناطق العراق من الجنوب الى الشمال ومن الشرق الى الغرب ، كل شهر يذهب الى مكان ، يستمع ويسأل عن الاطوار الغنائية التي يغنيها ابناء تلك المناطق ، فتعلم كل الاطوار الريفية والبدوية وغناء اهل المنطقة الغربية .
المطربون الذين تعامل معهم فالح حسن
يذكر الفنان الموسيقي عازف الكمان فالح حسن ان سلمان المنكوب هو اول مطرب عزفت له على (الكمنجة) وكنت اذهب معه اينما يذهب وبقيت معه مدة قبل ان اتحول الى المطرب سيد محمد ، الذي كان طوره يختلف عن كل اطوار الغناء الريفية المتعارف عليها، ثم تعرفت الى المطرب حسين سعيدة ثم المطرب جويسم كاظم وسيد فالح الذي تعرفت منه على عازف الايقاع المعروف (كريري) ، ثم انتقلت الى مدينة العمارة (جنوبي العراق) وعملت مع بنات الريف مع فرقة (عيسى حويلة) الذي كان عازف الايقاع الاول في العراق، ثم تعرفت على مطربين عدة هناك قبل ان اعود الى بغداد واتعرف على المطرب حضيري ابو عزيز .
فالح حسن وعلاقته مع حضيري ابو عزيز
يبدو ان عمر فالح حسن لم يكن مناسبا لاقامة صداقة مع حضيري اول الامر ولهذا استفاد من صداقة والده حسن المطيري مع حضيري .. يقول فالح في اتصالنا معه :- كان ابي على علاقة به وهو الذي ارسلني اليه ، كان هذا نهاية عام 1959 كما اتذكر ، وجدته في منطقة (علاوي الحلة) ، كنت خائفا جدا ، فمن يستطيع ان يحكي مع حضيري ؟ وقفت امامه وانا ارتجف قال لي (انت تعرف ادك موسيقى ؟ ) قالت له : ( اي .. اعرف) ، قال : (دكنا شوية) ، ففتحت الكمنجة وعزفت له قليلا ، فنظر الى ابي وقال له (ابنك بيه لزمه) ، ثم اعطاني موعدا في مقهى المطربين في الصالحية لصاحبها (ابو عروبة) ، وقفت في باب المقهى فصاح لي وادخلني ، كانت في المقهى فسحة مساحتها عشرة امتار ، قال لي (دكك)، كان في المقهى عدد من المطربين ومنهم : ناصر حكيم ومحمود النجيفي وعبد الواحد جمعة وجواد وادي وعبد الجبار الدراجي وصاحب شراد ، وعزفت لهم ، قام احدهم يغمز للاخر استحسانا ، اذكر انه في حينها كان هناك برنامج جديد بالتلفزيون اسمه (ركن الريف) ، وقال لي حضيري: نريدك معنا في البرنامج ، قلت له : لا اعمل الا رئيس فرقة ، استغربوا قالوا (ما يصير) ، وسجلنا ونجحت وصار المطربون يتنافسون عليّ ، ومنذ ذلك الوقت صرت اذهب معهم في حفلاتهم بأجر قدره (دينار واحد) ، واذكر ان اي عازف ما كان يأخذ هذا الاجر لذلك شكلت حزبا للعازفين شجعتهم فيه على الاجور فاحدث ذلك ضجة بين المطربين
فالح حسن يعمل مع مطربين اخرين
ولما سالته عن المطربين غير المطربين الذين نسميهم بمطربي الريف هل عمل معهم اجابني انه عمل مع كثيرين وعزف للكثيرين ومنهم سعدي الحلي الذي تعرف عليه وكان يعمل سائق سيارة اجرة (تاكسي) على خط بغداد – الحلة، وكان يأخذه معه الى الحلة ويسجل ويرجع في الليل، يقول، يطعمني باقلاء بالدهن ويرجعني سعدي انا ادخلته للاذاعة مثلما ادخلت المطرب ياس خضر.
فالح حسن يقول انا ادخلت ياس خضر الاذاعة
حكى لنا فالح حسن ان ياس خضر كان موظفا في مستشفى في باب المعظم، كان قاطع تذاكر، تعرفت عليه هناك عام 1964 واتيت به الى الصالحية ، وسجلت له في استديو الفنان جميل بشير اغنية من الحاني عنوانها (تواعدنا على الموعد اجينا) ، وبعد ذلك عرفته على الملحن طالب القره غولي الذي احتضنه ، لكنني اختلفت معه بعد حين.
اكثر المطربين استجابة مع فالح
يبدو ان فالح حسن ونتيجة لكثرة اعماله وسفرياته مع مطربي الريف العراقي قد سجل مواقف منها سلبية ومنها ايجابية فمثلا علاقته مع حضيري ابو عزيز كانت طيبة ، لانه حسب ادعائه ان حضيري لا يأكل حق موسيقي ابدا ، ثم داخل حسن ولكنه كان جشعا لا يعطي الاجور بسهولة، اما ناصر حكيم فكان يقول صاحب الحفلة (هات لي صينية (انية الطعام) وانا ادق واغني وماذا تفعل بالموسيقيين، اما صاحب شراد فكانت نفسه طيبة.
مواقف طريفه لفالح
يقول فالح ان المواقف كثيرة و كثيرة جدا ، ساحكي لك عن المطرب عبادي العماري الذي جاء الى الصالحية وسأل عني وقال اريدك تجي معي نسجل حفلة في مدينة الثورة (الصدر) ، كان هذا عام 1962 وكانت المدينة في طور البناء وكنت اخاف ان ادخل اليها ، فأنا بيتي في مدينة الحرية ، قلت له اريد دينارين ، قال : انا اخوك والذي تطلبه كثيرا ، وحين رفضت قال سأعطيك دينارين ، ومشينا وحين وصلنا منتصف جسر الاحرار قلت بيني وبين نفسي (اخاف ما راح يطيني الدينارين) ، حاولت ان انسحب لكنه اعطاني الدينارين ، وذهبت معه وسجلت وارتحت له لانه غنى بشكل ممتاز وصوته جميل ، كان الوقت بعد منتصف الليل والجو باردا جدا.
فالح حسن يستطيع ان يجعل الكمان يتكلم ؟
في الكثير من اللقاءات مع فالح يؤكد فيها انه يستطيع ان يجعل الكمان ينطق بالكلمات واستطيع من خلال الكمان ان انادي على الاشخاص بأسمائهم .
فالح حسن يعزف لمطربين عرب .
يؤكد فالح ان عزفه لم يقتصر على الفنانين الريفيين والعراقيين بل عزف مع ميادة الحناوي وسيد مكاوي وسميرة توفيق وسميرة سعيد .
في اتصالنا مع الفنان فالح حسن ذكر لنا انه يرقد على فراش المرض بعد أن فقد بصره. قال فالح حسن ذات يوم لولا الله لجعلت الكمان يتكلم معبرا عن ثقة عالية بقدراته الفريدة في العزف على آلة الكمان التي رافقته أكثر من خمسين عاما. عزف الفنان المبدع فالح حسن لعشرات المطربين العراقيين البارزين وكان له الفضل في تقديم العديد من الأصوات ودعمها. ألّف الفنان المبدع فالح حسن العديد من المقطوعات الموسيقية معبرا عن ثقافة موسيقية عالية ورؤيا خاصة باهرة.
فالح حسن مدرسة للموسيقى
يعتبر مطربون ريفيون فالح حسن صاحب مدرسة مهمة في العزف المنفرد، وهو الذي جعل الكمان الآلة الرئيسة في إنتاج المواويل، وتجميل الأطوار الغنائية، بروح إبداعية حساسة.
بداياته مع العزف كانت في المقاهي وبعض الاماكن العامة. التقى مع الراحل شرهان كاطع صاحب اشهر محل للتسجيلات في البصرة الذي سجل الاغاني والحفلات لآغلب المطربيين العراقيين الريفيين ورافقه في ترحاله للكثير من الاماكن.
استطاع من خلال ترحاله مع شرهان كاطع ان يتعرف على سلمان المنكوب الذي كان اول مطرب يعزف له على (الكمنجة). وتحول بعدها الى المطرب سيد محمد ، الذي كان طوره يختلف عن كل اطوار الغناء الريفية المتعارف عليها، ، ثم انتقل الى مدينة العمارة (جنوبي العراق) وعمل مع بنات الريف مع فرقة (عيسى حويلة) الذي كان عازف الايقاع الاول في العراق قبل ان يعود الى بغداد ويعمل مع المطرب حضيري ابو عزيز.
اصبح مطلوبا من قبل مطربي الريف وأصحاب شركات ومكاتب التسجيلات في إحياء الحفلات متنقلا بين محافظات العراق كافة وصاحب الكثير من مطربي الريف أمثال السيد محمد السيد كاظم وخلف لازم وجواد وادي وعبد الواحد جمعه وعبد محمد ومجيد الفراتي ونسيم عودة وسعدي الحلي وامتدت مسيرته مرورا بالجيل اللاحق أمثال فرج وهاب ومدلل عامر وسيد جليل وهاني الشموسي وصولا إلى مطربي جيل يونس العبودي ورعد الناصري وكاظم شنينة وكامل كشاش وفيصل السيد محمد.
كان فالح حسن نجما متألقا في العديد من البرامج واللقاءات وحفلات المطربين أمثال رياض احمد وحسين نعمة.
على آلة الكمان، حيث اصبح مدرسة لا مثيل لها في العزف على الكمان. ورسم من خلال ترحاله في الداخل والخارج لنفسه طريقاً رائعاً مخلداً اسمه في تاريخ الابداع والتميز. حيث وصفه العديد من الموسيقيين والمتابعين بانه أحد أعمدة تطوير الغناء الريفي، إذ رافق أهم أشرطة واسطوانات المطربين الريفيين من خلال عزفه المتقن على الكمان، الذي جعله نوعا من الإضافة الخلاقة، التي تحفز المطرب على تقديم المزيد من التالق والابداع .
حكايته مع الة الكمان
في اتصالنا مع فالح حسن قال لجريدتنا:-
اما بخصوص حكايتي مع الكمان: كان هذا في العام 1960 ، أذكر حين توفى جدي لأمي ، يومها كنت فرحا بـ (كمنجة) جديدة اقتنيتها، فأردتُ ان تذهب الجنازة كي اعزف ، اختبأتُ تحت (الاريكة)، وأثناء ما كنت اعزف أذن المؤذن من المسجد القريب ، فقمت اطابق (التون) مع المؤذن ، فقلت بيني وبين نفسي : (لولا خوفي من الله عز وجل لتركت الكمان يتكلم)، واستطيع من خلال الكمان ان انادي على الاشخاص باسمائهم .ولو كان عبادي حياً لتحدث كثيراً عن هذه القصة. كوني كنت انادي عليه باسمه بواسطة الكمان .
وقال لجريدتنا معاتبا ان اكثر الفنانين لم يكونوا وفيين معي وخصوصا سعدون جابر وحسين نعمة وياس خضر ، ما عدا الفنان المرحوم رياض احمد الذي اهتم بي كثيرا وكذلك قسم من مطربي الريف ، كما ان الفنان حميد منصور لم يقصر معي حين سافرت ذات مرة الى سورية ، وبعضهم كنت اتصل بهم هاتفيا فلا يردون علي . ويمكن ان اقول لكم اني قد لحنت للكثير من المطربين ولكن أغلبهم كان ينكر اسمي .
في ختام اتصالنا مع الفنان فالح حسن قدم لجريدة الزوراء الشكر والاماني وبدورنا شكرنا الفنان وتمنينا له الصحة والعمر المديد .

About alzawraapaper

مدير الموقع