ملفات الفساد وارتفاع درجات الحرارة

يحيى الزيدي

يحيى الزيدي

كثر الحديث منذ سنوات في بلدنا عن كثرة ملفات الفساد، واشتدت سخونتها في الآونة الاخيرة، التي تزامنت مع ارتفاع درجات الحرارة الى نصف درجة الغليان، لاسيما بعد تشكيل المجلس الاعلى لمكافحة الفساد، والذي يعد خطوة بالاتجاه الصحيح، على الرغم من انه قد لا يختلف كثيراً عن عمل هيئة النزاهة. ان المتابع للمشهد السياسي يجد بين الحين والآخر تخرج تصريحات من أطراف عدة تتحدث عن حجم الفساد وبلوغ ذروته في البلد، وفي مجالات عدة. وتخرج أيضا من دوائر الدولة وهيئة النزاهة وبشكل مستمر ودقيق بيانات تشير الى كشف حالات فساد كبيرة ، واحالتها الى القضاء، من خلال لجان مختصة ومهنية. اقول.. الفساد يسخن الوضع السياسي في أغلب البلدان، ويكون من أخطر الملفات وأشدها تعقيدا ، لان اقتصاد البلدان قد ينهار اذا لم يتم السيطرة عليه. قد تكون ملفات الفساد كبيرة أم صغيرة، كلها يجب ان تخضع للرقابة والتدقيق من قبل ذوي الاختصاص. كما يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار كل من يتحدث عبر وسائل الاعلام عن ملفات الفساد، أو يفصح عن أية معلومات قد تقلل من هدر المال العام، وتساعد في تقديم المتورطين بالفساد الى القضاء . يقول عباس محمود العقاد في هذا الصدد (الأمة التي تُحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل تمتنع فيها أسباب الفساد) ، اما نجيب محفوظ فقد علق على هذا الموضوع بقوله ( عندما يأمن الموظف من العقاب سيقع في الفساد ويسوم الفقراء سوء العذاب)، والنصوص في هذا الصدد كثيرة، لاسيما في القران الكريم، يقول الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).
وباء الفساد ليس بالجديد، فقد انتشر في الدول الكبيرة والصغيرة ..الغنية والفقيرة، واصبح ظاهرة مخيفة .. وتبرم من أجل الفساد ومكافحته الاتفاقيات، وتعقد المؤتمرات ، وتسن القوانين، ويشجع التعاون من اجل القضاء عليه. وهناك عدة تعريفات للفساد.. فهناك من يعرفه بأنه الخروج عن القانون والنظام «عدم الالتزام بهما»، أو استغلال غيابهما من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للفرد أو لجهة معينة، فهو سلوك يخالف الواجبات الرسمية للمنصب العام، تطلعاً إلى تحقيق مكاسب خاصة مادية أو معنوية.
كما عقد اتفاق دولي على تعريف الفساد كما حددته «منظمة الشفافية الدولية» بأنه «كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته». وبشكل عام فإن الفساد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمصلحة العامة. وينقسم الفساد وفقا لمرتبة من يمارسه إلى فساد صغير.. يشمل قطاع الموظفين العموميين الصغار، بحيث يتطلب إنجاز أية معاملة مهما كانت صغيرة تقديم رشوة للموظف المسؤول. وفساد كبير.. يقوم به كبار المسؤولين ويتعلق بقضايا اكبر من مجرد معاملات إدارية يومية، كما يهدف إلى تحقيق مكاسب أكبر من الرشوة الصغيرة. ومن انواعه ايضا «الفساد السياسي».. وهو إساءة استخدام السلطة العامة لأهداف غير مشروعة كـ«الرشوة والابتزاز، والمحسوبية، والاختلاس». والمفروض في السلطة ان تكون حيادية تجاه كل المسائل والأشخاص، لكن من يتمتعون بالسلطة عادة ما يفقدون تلك الحيادية !! ، ونسمع ونرى بين الحين والآخر في بعض الدول يلقى القبض على شخصيات سياسية كبيرة متهمة بالفساد ، حتى بعد مغادرتهم للسلطة. وبشكل عام يمكن إجمال نتائج الفساد الى انتشار الفقر والجهل، ونقص المعرفة بالحقوق الفردية، وسيادة القيم التقليدية والروابط القائمة على النسب والقرابة، وضعف أجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها. وايضا ضعف الإرادة لمكافحة الفساد، وانحسار المرافق والخدمات والمؤسسات العامة التي تخدم المواطنين، وتدني رواتب العاملين في قطاعي العام والخاص، وارتفاع مستوى المعيشة، مما يشكل بيئة ملائمة لقيام بعض العاملين بالبحث عن مصادر مالية أخرى حتى لو كان من خلال الرشوة.

About alzawraapaper

مدير الموقع