مقاهي العراق اليوم امتداد للماضي

رغم عوادي الزمان يبقى البغدادي محبا للجلوس في المقاهي وخاصة كبار السن , هي اماكن للراحةوقضاء الوقت والمواعيد الجميلة وهي الذكريات والاستئناس بالاحاديث وحتى متابعة اخبار الناس والمحلة
لقد اشتهر العراق بكثرة مقاهيه وخاناته العامرة، وقد وصفت بغداد والمدن العراقية الأخرى قديما بأنها أكثر مدن العالم في عدد المقاهي بالقياس إلى عدد سكانها، فقد كان ذلك المكان دوما مصدر جذب للأدباء والمثقفين.

تعتبر المقاهي من أهم الأماكن التي تحوي بين كراسيها المتناقضات، فمن الاختلافات الأدبية وصولا إلى السياسية منها والرياضية، وحتى المتقاعدين من الوظيفة – الذين يفضلون التواجد قرب أماكن عملهم، حتى أن في الفلكلور الشعبي تجري الطرائف حول المتقاعدين وخصوصا من الشرطة الذين يفضلون الجلوس في المقهى المقابل لمركز شرطة المدينة.
كل واحد من هؤلاء وجد له ركنا في المقهى، فكم استمعت جدران المقاهي إلى كلمات البوح والهم ومقررات الاجتماعات السرية. فلكل صنف في المجتمع مقهى خاص به، يمثله ويعكس توجهاته.
ففي السابق كانت الكراسي المصنوعة من “جريد النخيل” تحتضن جوانبها، أما طريقة إعداد المشروبات الساخنة فتكون من على “منقلة الفحم”، أما الآن فاستبدلت الكراسي “الجريدية” بكراسي البلاستيك أو الحديد وأدخل غاز الطبخ .
عراقيون يدخنون النرجيلة ويشربون الشاي في مقهى بغدادية لعامة الناس
أما في السابق فقد شهدت بغداد بين حاراتها الكثير من المقاهي الأدبية وفي البصرة كانت الكثير من المقاهي البصرية عامرة بالحضور من شتى الاعمار وكان أهمها: مقهى البدر الذي يقع بالقرب من تمثال الشاعر السياب حاليا، والذي أسسه مهدي سليم البدر في عام 1945 وموقعه كان معانقا ضفاف شط العرب. ويعتبره الأدباء من أهم مقاهي البصرة الثقافية في مرحلة الخمسينات والستينات لأن جميع رواده كانوا من الأدباء والمثقفين، مثل الشاعر بدر شاكر السياب وسعدي يوسف ومحمود البريكان والقاصين مهدي عيسى الصقر ومحمود عبد الوهاب والمؤرخ حامد البازي والدكتور عبد الهادي محبوبة رئيس جامعة البصرة وزوج الشاعرة نازك الملائكة وأسماء كثيرة كانت من رواده.

مقاهي اليوم تختلف عن تلك التي كانت بالأمس. لكنّ بعض العراقيين يفضّلون تلك القديمة التي ما زالت تنشط في البلاد.
وعودة الى بغداد في مقهى “رضا علوان” في بغداد، يجتمع الأصدقاء من مختلف الفئات، وبينهم صحافيون وأدباء. وهؤلاء يفضّلون اللقاء في ذلك المقهى الذي اشتهر أخيراً، في العاصمة العراقية، نظراً إلى الحداثة التي يعتمدها في أسلوب عمله.
المثقّفون يفضّلون الأماكن التي توفّر لهم جواً ثقافياً يتبادلون فيه معلوماتهم ويطرحون فيه أفكارهم ويناقشون قضايا الأدب والفن وما يدور في الوسط الثقافي المحلي وكذلك العربي والعالمي”. والمثقف البغدادي يرى بالتالي مقهى “رضا علوان” متنفساً جاذباً للمثقفين، مثلما هو مقهى “قهوة وكتاب” الذي يوفّر في داخله مكتبة لمن يرغب في القراءة وعقد لقاءات وندوات وحوارات في مجالات مختلفة.وبعض المثقفين يشيرون إلى أنّه “على الرغم من الرغبة في اللقاء في مثل هذه المقاهي، فإنّنا أيضاً لا نستغني عن اللقاء في مقاهي تراثية قديمة، خصوصاً تلك التي تُعَدّ ملتقى للمثقفين. في تلك المقاهي تاريخ ثري، فهي كانت ملتقى كبار الأدباء والصحافيين وقادة المجتمع الذين لهم أثرهم المهم في مجالات مختلفة في البلاد. لذلك نعتز كثيراً بها على الرغم من بساطتها”.
وتنتشر المقاهي القديمة في المدن العراقية، خصوصاً العاصمة بغداد، وهي الملتقى المفضّل للرجال وكبار السنّ وتقدّم لهم المشروبات الساخنة والباردة على حدّ سواء كذلك النارجيلة (الشيشة). وهي توفّر لمرتاديها فسحة لممارسة ألعاب مختلفة من قبيل الدومينو وطاولة الزهر والشطرنج والورق (الشدّة). وتلك المقاهي التي تنشر غالباً في الأحياء الشعبية، تبثّ الأغاني التراثية التي يطرب لها كبار السنّ. ولعلّ أشهرها في بغداد تقع في شارع الرشيد، وهو أقدم شارع في العاصمة وكان ملتقى وطريقاً يسلكه كبار قادة البلاد ومثقفوها. ومن أبرز تلك المقاهي التي تتوزّع في الشارع المذكور وفي أحياء قديمة أخرى، نذكر مقهى “أم كلثوم” ومقهى “الزهاوي” ومقهى “البرلمان” ومقهى “الشابندر” ومقهى “حسن عجمي” ومقهى البرازيلية.
ويعيد بعضهم سبب ارتيادهم المقاهي القديمة إلى أنّها “ملاذ للفقراء والعاطلين من العمل”، فهي تقدّم مشروباتها بأسعار زهيدة جداً تناسب هؤلاء، فضلاً عن أنّها تتعامل بالدَّين، بل وتُسقط الديون في أحيان كثيرة عن معوزين يعجزون عن سدادها .في تسعينيات القرن الماضي، راحت بعض المقاهي تسعى إلى استقطاب الشباب من خلال توفير طاولات بلياردو، الأمر الذي يجعلها تضجّ بأصوات مرتاديها الشباب وكرات البلياردو. وهذا صخب يكرهه كبار السنّ. لكنّ التغيير الأكبر شهدته بغداد بعد الغزو الأميركي للبلاد في عام 2003، إذ بدأت تُفتَح مقاه أُنفِقت مبالغ طائلة على تجهيزها، وتقدّم الكيك والمرطبات والعصائر بطريقة جذابة، وتعتمد في صناعتها على متخصصين. وتلك المقاهي التي نجدها في المناطق الأكثر رقياً، تأتي إلى جانب فروع مقاه عالمية التي نجدها كذلك في المجمعات التجارية الكبرى وفي أحياء راقية من قبيل المنصور وزيونة والكرادة.
والمقاهي الحديثة تحت مسمّى “كوفي شوب” مستمرة في الانتشار، وهي توفّر لمرتاديها خدمات عدّة. يُذكر أنّ ثمّة نساء شابات يعملنَ في بعضها، وهذا كسر آخر لتقاليد المقاهي التي يعمل فيها الرجال حصراً.

About alzawraapaper

مدير الموقع