مظفر النواب.. «كهرمان، وثلاث امنيات»

رائد الحواري
معروف أن مظفر النواب شاعر يطرح أفكار سياسة عن الواقع العربي، وهو يستخدم المباشرة والصوت العالي، وميزة ما يقدمه من شعر في طريقة الإلقاء التي تعطي القصيدة رونق خاص، ولكن عندما نقرأ قصائده نجدها (متواضعة) وقاسية، فكثر المشاهد والمؤلمة تثير القارئ وتجعله منفعل، ففي قصيدة «كهرمان» نجده يستخدم لغة عادية جدا، وبسيطة، وتبدو للقارئ العادي لا جديد فيها، فهي خالية من الصورة الشعرية، فما هي ميزة هذه القصيدة؟.
استخدام الشاعر للغة العادية والصوت العالي والمباشرة، تم محوه وإزالته من خلال الاسلوب الساخر الذي استخدمه الشاعر، وهنا يكمن ابداع «مظفر النواب»، يقدم مشهد سياسي نسمعه يوميا، لكي طريقة تقديمه وترتيب (الخبر) هو المذهل، فهو يعري النظام الرسمي العربي بهذه الطريقة:
« كهرمان … يا كهرمان
هل علم فلسطين هو الممنوع
وتزدحم بأعلام (الفيفا) بلادي
وبأعلام الألمان
في غزة يتولى القصف
والبلدان العربية تبذل أقصى طاقتها
من جُمل التنديد وعبارات العنف هذا يستغرب الاستخدام المفرط للقوة
وآخر يدعو الشقيقة إسرائيل لضبط النفس
والثالث يخشى من دورة عنف
والرابع يرسل أرخص أنواع البطانيات
لتحمي القتلى من أمطار الصيف في القاهرة اجتمع الوزراء(الحمد لله لم يتأخر منهم أحد، هذا أكبر إنجاز في هذا الظرف»
بهذا الشكل يقم الشاعر قصيدته، فرغم أننا نسمع ونقرأ مثل هذا الخبر/المشهد باستمرار، إلا أن طريقة تقديم الأخبار/المشاهد، جعلت المشهد الواقعي ساخر، يبن هزالة الموقف مع أهمية الحدث.
وفي قصيدة «ثلاث امنيات، نجده يستخدم أسلوب آخر ليخفف عن المتلقي من قسوة الأحداث ومرارة الفكرة التي يطرحها، فنجده يستخدم الحروف بغزارة والكلمات القصيرة، فيبدو وكأنه لا يريد أن يرهق القارئ بالمشاهد والألفاظ القاسية والمؤلمة:
«…أضيء الشمع وحدي وأوافيهم على بعد
وما عدنا رفاق
لم يعد يذكرني منذ اختلفنا أحد غير الطريق
صار يكفي
فرح الأجراس يأتي من بعيد
وصهيل الفتيات الشقر يستنهض حجم الزمن المتعب
والريح من الرقعة تغتاب شموعي
رقعة الشباك كم تشبه جوعي
وأثنا كلها في الشارع الشتوي
ترخي شعرها للنمش الفضي
للأشرطة الزرقاء واللذة
هل أخرج للشارع
من يعرفني
من يشتري بقليل من زوايا عينيها»
إذا توقفنا عن عند المقطع السابق نجده (غارق) بالحروف والكلمات القصيرة: «على، بعد، وما، لم، يعد، منذ، أحد، غير، صار، فرح، من، حجم، كم، هل» وهذا ما يجعلنا نقول أن الشاعر في عقله الباطن، يعرف أنه يقدم مادة ذات مضمون قاسي ومؤلم، لهذا نجده يحاول قدر المستطاع أن يخفف على القارئ من هذه حدة القسوة، ويحد من حجم الألم قدر المستطاع، فاستخدم في «كهرمان» السخرية، وفي ثلاث أمنيات الحروف والكلمات القصيرة.

About alzawraapaper

مدير الموقع