مشهدية القصيدة في مجموعة (إعادة تشكيل) للشاعر كفاح وتوت

د.عمار إبراهيم الياسري/الزوراء / خاص
إن التداخل الجمالي ما بين الأجناس الفنية في بنية النص المنتج، يجعل من النص الجديد نصا ابتكاريا يشتغل على تفعيل ساردية المتلقي من أجل ردم الفجوات النصية من جهة وفك شفرات الحمولات الدلالية للمعاني من جهة أخرى، لذا نلحظ انفتاح النص الشعري على نصوص جمالية محايثة منها التشكيل والمسرح والسينما، والعلاقة بين السينما والشعر علاقة متداخلة بين الجنسين، فتارة نلحظ توظيف التراكيب البصرية السينمائية لتقانات القصيدة، وتارة أخرى يوظف النص الشعري تقانات السينما شعريا، فالذات الإنسانية تجنح نحو المغايرة والاختلاف دوما مما يمنحها طاقة تجريب مائزة.
ولو تابعنا مجموعة الشاعر (كفاح وتوت) الموسومة (إعادة تشكيل) والصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع نلحظ التداخل الاجناسي بين التقانات الشعرية والسينمائية في بنية تشكيلية جديدة، فالأنساق السينمائية مثل التوليف والتقطيع والتسلسل الدرامي والتكثيف والإيجاز والمفارقة وكسر أفق التلقي وظفها الشاعر في مشغله التجريبي، ففي نصه الأول (تجاوز) نلحظ استخدامه المتكرر للفعل (زرع) الذي اشتغل على نسقين، الأول كان تكرارا توكيديا وهو نسق تحفل به الأجناس الأدبية والفنية عموما، في حين اشتغل النسق الثاني على وفق مشهدية سينمائية تجسدت من خلال توظيف الفعل (زرع) كوسيلة انتقال (مونتاجية) اختزلت لنا حياة كاملة بكل مشاهدها من جهة ومهدت لنا الانتقال من حقل إلى حقل بشكل سلس وصولا إلى الذروة في حقله السادس ليفاجئ المتلقي المتماهي مع الحكاية بمفارقة كسرت أفق توقعه حينما يقول في الصفحة الثامنة :
قف أمامك
حقل ألغام
فمع أن قصيدة النثر تشتغل على كسر أفق التوقع حسب المنظرة الفرنسية (سوزان بيرنار) إلا أن التنظيرات الأرسطية منذ مهاداتها الأولى طرحت هذه المفهوم تحت عنوان المفارقة، أي مفارقة الحدث النهائي للتراتبية السببية للأحداث، فالمحاكاة لدى (أرسطو) تبتعد عن المحاكاة البسيطة المشابهة للواقع نحو محاكاة جوهرية تعيد تشكيل الواقع المعيش، وهذا ما بدا واضحا منذ العتبات النصية التي حملت عنوان (إعادة تشكيل)، فالشاعر هنا يعيد تشكيل الواقع المباشر بشكل أخر، وهذه الاشتغالة تعد من الاشتغالات السينمائية، فالسينما تجتزئ وتعيد صياغات الواقع مونتاجيا مرة أخرى بحثا عن حياة مغايرة ومختلفة.
في حين وظف الشاعر في نصه (كمائن) التقطيع المشهدي حينما جعل من النص الرئيس عبارة عن ثلاث كمائن لكنها تشتغل ضمن منظومة دلالية واحدة هي الاستلاب العقلي، فبعد محاولاته المتعددة للرقي نلحظ أن البطل فقد رأسه متخوما في نصه الأول ونزل مرتعبا في نصه الثاني وتلاشى في نصه الثالث كما نقرأ في الصفحة الثالثة عشر:
منحوه رغيفا..فطأطأ رأسه
وهبوه دجاجة ..فانتشى
ذبحوه له خروفا .. فجثا متخوما .. بلا رأس
إن حرف (الفاء) اشتغل على إنتاج المعاني بعد أن اختزل أزمنة وأمكنة وأحداث متنوعة، وهذه الاشتغالة اللغوية تقترب كثيرا من البناء المونتاجي الذي يوظف القطع والمسح والمزج بين اللقطات من أجل الاختزال وإنتاج المعاني، فضلا عن أن عملية التكرار الحروفي اشتغلت هي الأخرى على تأكيد المعنى في بنية النص.
من المفروغ منه أن اللقطة الواحدة في السينما من الممكن أن تكون مشهدا مكتفيا بذاته، ومن الممكن أن يتكون المشهد من عدة لقطات تشتغل على إنتاج المعنى، ولو تابعنا نص (لقطات) نلحظ أن عتبة النص مفضوحة الشفرة على الرغم من انها جاءت نكرة، فالنص المشهدي لدى الشاعر تكون من عدة لقطات متنوعة وظفت البناء السردي من أجل بلوغ الذروة الدرامية، فاللقطة الأولى صراع بين ظلمة الشاعر ونور المدينة واللقطة الثانية صراع بين بيته العتيق وعمران المدينة واللقطة الرابعة بين امرأة ودعت ولدها وأخرى فقدته وعلى هذا السياق اشتغلت اللقطات العشرة، وقد وظف الشاعر فيها التكثيف والإيجاز والقطع المونتاجي والمفارقة والترابط الحبكوي والجو العام من اجل أن يكون البناء المشهدي يمتلك من العمق الدرامي المتعاضد مع البناء التشكيلي للصورة السينمائية كما نقرأ في الصفحة العشرين:
بعد هياج قاحل .. سكنت الريح
وهناك … بين تشابك الأشواك .. تعانقت زهرتان
ما بين هياج الريح وهدوئها أزمنة عديدة تم اختزالها وتكثيفها، وعلى المتلقي إعادة صياغتها في مخياله السردي، في حين أن الصراع الدرامي ما بين الأشواك والورود كان مائزا لتكون النهاية عناق الوردتين، بينما كانت المفارقة متجسدة من خلال العناق، وقد عمد الشاعر إلى ربط هذه الأنساق المتنوعة في حبكة جمالية واضحة تشي بالجو العام للنص برمته.
وفي النص الشعري (إعادة تشكيل) الذي توسمت به المجموعة يتجلى المشهد الدرامي الملزم الذي ترتبط به الأحداث كلها، ولو تأملنا مفردات مثل (العتيق، الانطفاء، الورد، الحرب، العواصف، الخ) الموزعة على نصوص المجموعة نجد مقترباتها اللغوية في نصه الملزم (إعادة تشكيل)، فهو المنظومة الدرامية الدلالية المتعالقة مع باقي النصوص، ومن خلاله نستشف الأحداث السابقة واللاحقة التي قد تنفرط دون هذا المشهد.
ولم تخلو المجموعة من مقتربات شعرية – سينمائية في باقي النصوص، إذ نلحظ عنوانات مثل (نجاتيف) وهي مفردة غير عربية تعني سالب، تصف في السينما شريط التصوير قبل التحميض، إذ تبدو فيه الألوان مقلوبة بعيدة عن الواقع كما نلحظ ذلك في الصفحة الرابعة والثلاثين:
في البيت وقف أمام مرآته المقعرة ساخرا
وهو يرى ذاته المقلوبة الرأس إلى الأسفل وأقدامه إلى الأعلى سائبة.
فالصور الشعرية هنا تشي بانقلاب الموازين في عالم مشوه اثر دخان الحروب، ومن خلالها نلحظ إن البنية الدلالية السينمائية لعتبة النص حققت إحالاتها في متن النص.
إعادة تشكيل مجموعة شعرية اشتغلت على التداخل الجمالي ما بين الشعري والسينمائي على وفق حمولات معرفية راسخة في الذات الشاعرة من اجل مغايرة شكلية بنيوية برع في صياغاتها الشاعر (كفاح وتوت) .

About alzawraapaper

مدير الموقع