مشكلة موزعي الصحف

سعد محسن خليل

سعد محسن خليل

بتاريخ 1869 قام الوالي العثماني مدحت باشا بتاسيس اول صحيفة عراقية سميت «الزوراء» نسبة الى تسميات بغداد ورغم التاريخ الطويل للصحافة العراقية مقارنة بنظيراتها العربية فانها من شواهد العراق التاريخية التي لم تلق الرعاية والاهتمام اللازمين الا بعد العام 2003 بعد ان حصلت على شبه استقلالية في كتابة المواضيع المتنوعة حتى تواصل تطورها بعد ان خصصت نقابة الصحفيين العراقيين الدعم المالي المناسب لها وعلى العموم فان الفترة المحصورة بين عامي 1921 تاريخ تاسيس المملكة العراقية وعام 1958 تاريخ الانقلاب على النظام الملكي وبروز حكم العسكر تعد من الفترات التي شهدت انتعاشا نسبيا للصحافة العراقية من حيث عدد الصحف وهوامش حرية التعبير والراي الا انها شهدت فترة ركود وجمود فكري بعد عام 1968 حيث اقتصرت الصحف على اربعة صحف مسيرة وفق مسار النظام الحاكم الا انها اليوم تشهد انتقالة في نوعية الاخبار والمواضيع المنشورة دون رقيب الا ان هذه الانتقالة كانت بعد العام 2003 انتقالة عشوائية، صحيح انها شهدت انتعاشا في الكتابة بلا حدود لكن هذا الانتعاش كان انتعاشا انفلاتيا غير مسبوق لجهة مساحة الحرية المسموح بها لكثرة الصحف المطبوعة وعدد المشتغلين في الحقل الصحفي والاعلامي حيث ناهز عدد الصحف المطبوعة وعدد المشتغلين في الحقل الصحفي والاعلامي نحو 200 صحيفة واكثر من 100 محطة تلفزيونية اضافة الى عشرات الموزعين «خفافيش الليل» من الذين يبدأ عملهم من ساعات الليل الاولى لغاية فجر اليوم الثاني وقد شهدت السنوات الماضية انخفاضا في عدد الصحف الصادرة بسبب قلة التمويل وذلك للانخفاض الحاد في اسعار النفط والذي اثر اقتصاديا على تمويل الصحف الصادرة الا جريدة الزوراء الممولة من قبل نقابة الصحفيين العراقيين بامكانياتها المحدودة التي شهدت انتعاشا متميزا ومن الطبيعي فان قلة التمويل خاصة ضعف سوق الاعلان التجاري حيث يفتقر القطاع الخاص بحاجته الى الاعلان، الامر الذي انعكس سلبا على استحصال الاموال التي يمكن ان تحصل عليها الصحف من مداخيل الاعلان، اضافة الى المعوقات التي تواجه عملية توزيع الصحف قد اثرت تاثيرا كبيرا في ديمومة عيش مئات الموزعين الذين فقدوا سبل العيش بسبب استهداف مواقع عملهم من قبل العناصر الارهابية نتيجة التفجيرات التي استهدفت اماكن عملهم وفقدان اماكن محددة لتوزيع الصحف.. ولنكن اكثر واقعية ونشير الى ان كل دول العالم المتحضر بلا استثناء توجد لديها منافذ متحضرة لتوزيع الصحف المحلية وهذه المنافذ مصممة وفق احدث المواصفات مع اختيار اماكن محددة لها تتوفر فيها مستلزمات الراحة والامان وهي في كل الاحوال مسألة حضارية تعكس اهتمام هذه الدول بالمثقفين وتعطي انطباعا بان الامور تجري بسياق حضاري.. الا في العراق فلا يوجد نظام لتوزيع المطبوع المحلي وفق انسيابية محددة الى كافة مناطق العراق عبر اسطول من العجلات موزعة على محافظات العراق بحيث يصل المطبوع الى ابعد منطقة من العراق.. لكن مع الاسف فان العراق بقي بعيدا عن هذه المسألة التي تتعلق بارزاق مواطنين بسطاء فبدل من دعم شريحة موزعي الصحف بدأت تتكالب عليهم الممنوعات من كل الجهات الحكومية التي تعمل ضمن منطق «لا اطيك ولا اخلي رحمة الله تنطيك» فخلال فترة تردي الوضع الامني واستهداف هذه الشريحة العاملة من قبل قوى الارهاب قدمت هذه الشريحة العديد من الشهداء ورغم اصرار الاجهزة الامنية على انتقالهم من منطقة توزيع الصحف في الباب المعظم الى مناطق اخرى من بغداد استطاع بعض الخيرين من ايجاد اماكن اخرى في موقع قرب الجامعة المستنصرية وهكذا دواليك بدأت رحلة الالف ميل حيث وضعت الاجهزة الامنية خطا احمر على هذه المناطق باعتبارها من ضمن الممنوعات المعرضة للاستهداف الى ان تم الاتفاق مع احد مالكي احد المقاهي القريبة من الجامعة المستنصرية باستضافتهم لقاء مبالغ محددة في جو لا يخلو من قساوة برد الشتاء وحرارة الصيف اللاهب ورغم هذه المعاناة ومن جديد برزت امامهم مشكلة اخرى وقعت ضمن نطاق الممنوعات فلم يبق امام الموزع الا لملمة حاجياته لايجاد مكان اخر اكثر امنا لتوزيع صحفه التي تشهد حاليا اماكنها الغلق المبرمج وفق اجتهادات غير مبررة دون ايجاد البديل الصحيح لمعالحة هذه المشكلة بروح من الانفتاح .. المطلوب السعي لتعاون كافة الجهات المختصة من ضمنها الاجهزة الامنية وامانة بغداد لايجاد اماكن محددة وحضارية تتوفر فيها متطلبات الوضع الامني الجيد والمستقر لتوطين اللاجئين من موزعي الصحف وهم اصحاب عوائل وان تركهم بين كفة «المصيدة والفأر» هو انتهاك لكرامتهم الانسانية وعمل قد تكون عواقبه وخيمه .. فلا تبخسوا حقهم في الحياة بعد ان قضى اغلبهم زهرة شبابه في هذا العمل المضني فهم الجنود المجهولون الذين ينهضون مع بصيص غبش الصباح لتامين راحة المثقف العراقي بالاستنارة من قراءة الصحف انها دعوة ارفعها نيابة عن عشرات الموزعين البؤساء امام انظار المسؤولين فهل من مجيب.

About alzawraapaper

مدير الموقع