مشتركات شياطين صغيرة….

نعيم آل مسافر
غالباً ما تتكون في ذهني مشتركات، عن نصوص أية مجموعة قصصية أقرأها، ويحصل هذا في العادة دون تخطيط مسبق! وعند قراءة “سأكتبها سيقرؤها” وجدتُ مثل هذه المشتركات في معظم قصصها العشرين، التي بدا جلياً فيها رصانة اللغة لكاتب خبير بها، يختار أساليبه وأماكنه وشخصياته بهدوء وصبر، متربصاً كصياد ماهر يقتنص أفكاره ومفارقاته، مما جعل تلك النصوص تتميز بمميزات فنية وأدبية عالية، وجعلها قابلة للقراءة بتأنٍ كبير، ولأكثر من مرة..
مشتركات
من تلك المشتركات: نمط الشخصية، والمكان، والمفارقة أو كسر التوقع، والتفاصيل الصغيرة.. حيث تكون الشخصية الرئيسة ـ البطل ـ في معظم القصص، مثقفاً متعلماً كاتباً أو قارئاً، وسجيناً سياسياً، ويدخن كثيراً. كما أنه متزوج يعيش حياة العزوبية على هواه، أو مطلق أو أرمل، أو ممن هو على وشك الانفصال لسبب ما، أي أن تلك الشخصية في المجمل تعيش حالة عاطفية مضطربة. وتدور معظم أحداث القصص في المقهى، وإن دارت بعضها في أماكن أخرى كالبيت والشارع والكلية والبار غيرها، إلا إن القاسم المشترك للمكان هو المقهى، الذي يتنوع بين المقهى العادي والمميز والنوعي كمقهى، الشطرنج في قصة (أبيض وأسود) ص36 و(مقهى المعوقين) ص66، ويعد اختيار هذا المكان من قبل الكاتب متوافقاً مع نمط الشخصيات التي رسمها، أو بيئة ملائمة لمزاجها كي تتحرك وتناقش وتدخن وتفلسف الأشياء كما يحلو لها.. ثم يضبط الأسعد بن حسين إيقاع الهارموني بين الشخصيات والأماكن وسير الأحداث، التي تمضي في سردها متسقةً على وتيرة معينة، حتى نصل إلى توقع النهاية؛ فيفاجئنا بمفارقة تكسر أفق انتظارنا للحدث الذي توقعناه نهاية للقصة. وهذا ما حصل في معظم نهايات قصص المجموعة، مثل القيد، ظل رجل، دعوة، وهم ليلة حب، وغيرها..
التفاصيل الصغيرة
أعتقد أن التقاط التفاصيل الصغيرة هو ما يميز الأديب والفنان عن غيرهما، فالتفاصيل الكبيرة أو الأشياء والأحداث الواضحة للعيان يمكن أن ينتبه لها أي أحد، أما ما خفي عن الأبصار والقلوب، وصَّغُرَ ودقت تفاصيله؛ فلا يلفت إلا انتباه الأديب والفنان، ليصبه في قوالب جمالية تجعلنا نندهش عند رؤيتها قائلين: لقد رأينا مثل هذا فكيف لم ننتبه له؟َ
وكما يقول لودفيغ ميس فان “الشياطين تكمن في التفاصيل الصغيرة”* وهذه هي شياطين الإلهام والأدب والفن التي قال عنها الشاعر العربي “كل إنسان من البشر.. شيطانه أنثى وشيطاني ذكر”* فقد كانوا يعتقدون قديماً إن لكل شاعر شيطان يُلهمه قول الشعر. حيث ان الجمال الآسر والفروق الفردية تكمن في التفاصيل الصغيرة، كما في الكاشان الذي يتجلى جماله في تفاصيله الدقيقة، التي تختلف من قطعة سجاد إلى أخرى..
وهذه الشياطين الفنية الجميلة رأيتها تتقافز على كاشان الأسعد بن حسين، لتضيف لها سحراً وعذوبةً، ظهر لي بعضها وربما تخفى عني بعض آخر، قد يُلفتُ انتباه قارئ ما.. فمنذ المقدمة (شكراً للسجائر) يلاحظ القارئ ولع بن حسين في تلك التفاصيل؛ فهو في الصباح يدخن سجائر أمريكية وفي المساء سجائر محلية وليلاً يدخن السيجار الكوبي! وفي التمهيد الثاني (ابني يعرف الأبجدية) يذكر أن عمر ولده عزيز لم يتجاوز ثلاث سنوات إلا أسابيع قليلة ص10 “وحين صار أمام باب الشقة ألقى السيجارة من فمه وداسها بقدمه اليمنى” ص51 ويستمر في ذكر مثل هذه التفاصيل في جميع نصوصة، تفاصيل لا يمكن احصاؤها لأنها سمة غالبة في مجمل سرده.. ولكن بعضها يمكن أن يُعد علامات فنية فارقة تستحق الوقوف عندها، مثلا في قصة (أرمونيكا) يقفز شيطان مخادع مدهش عندما يقوم البطل بوضع الجبن في المكتبة لرشوة الفأر حتى لا يأكل كتبه “شاهدت الكثير من قطع الجبن مرمية في أرجاء مختلفة من البيت… نظرتْ إليه متسائلة: ـ إنها رشوة أقدمها للفئران كي تُعفي كتبي من القضم”*ص27 … فعندما قرأت هذا النص تأملت في أنواع الرشى التي يمكنني تقديمها كي أحافظ على الأشياء العزيزة علي؛ فطالت القائمة وتركت الأمر وعدت للقراءة ثانيةً. وحتى لو اعتبرنا ان ما ذكره الكاتب في الهامش صحيحاً “كان الصديق سليم دولة يفعل هذا” في نفس الصفحة، وليس من باب إيقاع القارئ في الإيهام من أن ما يقوله هو الواقع، فإن الفنية تكمن في التقاط ذلك القول وتضمينه في القصة داخل مشهد سردي ماتع..
ونلمس هذا أيضاً في قصة (نظرية في الحب)، حيث تتحدث الشخصية الرئيسة في القصة عن نظريته في الحب ومغامراته العاطفية وزواجه، ويتذكر مع صديقه عشيقاته، ويتجاذبان الحديث بشأن كيفية معرفة مقياس الحب؛ فيتخذ من الأقراط مقياساً له “أعرف مدى تعلق النساء بي من أقراط آذنهن.. يجب أن أعترف أني عرفت الكثير من النساء.. وأن معرفتي بهن منحنتني قناعة ثابتة: المرأة إذا عشقت بصدق، نسيت الحساب و(وسخ دار الدنيا) لتذوب فيمن تعشق.. حينها تنسى حليّها ومظاهر زينتها الذهبية.. أحتفظ بالكثير من الأقراط وبعض السلاسل والأساور الذهبية نستها عندي نساء بادلتهن الحب”ص106 . وبعد أن يبهرنا هذا المشهد، يثير في نفوسنا تساؤلات إن كان لكل منا نظرية خاصة في الحب كما لبطل هذه القصة؟ أم أننا ننظر إليه كما هو السائد والمتعارف عليه عند الآخرين؟ وإن كان لنا مقياس، مثل مقياس الأقراط هذا؟
………………….
لودفيغ ميس فان: مهندسا ألماني الولادة، يُعد من أشهر معماريي القرن العشرين.
البيت لأبي النجم الفضل ابن قدامة.
مجموعة سأكتبها سيقرؤها، للأسعد بن حسين.

About alzawraapaper

مدير الموقع